من الحديدة إلى الجوف..خريطة الحرب اليمنية تتغير وهذه هي موازين القوى الجديدة!
علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد الحرب اليمنية تتحرك ضمن خطوط تماس ثابتة يمكن قياسها بمكاسب محدودة هنا أو خسائر موضعية هناك، بعدما دخلت الجبهات الممتدة من الحديدة والمخا إلى تعز والبيضاء والضالع ومأرب والجوف في مسار متداخل يعيد توزيع القوة على امتداد الجغرافيا اليمنية. فالتطور الميداني الأخير لا يختصر في تقدم الحوثيين على الساحل أو في محاولات القوات المناهضة لهم شن هجمات مضادة، وإنما يكشف عن انتقال المعركة إلى مرحلة يصبح فيها التحكم بالطرق والمرتفعات وممرات الإمداد والاحتياط العسكري أكثر أهمية من السيطرة على مدينة منفردة، لأن أي اختراق في جبهة بات قادراً على تغيير شروط القتال في جبهة أخرى.
طرفا المواجهة
تتواجه في هذه المعركة منظومتان عسكريتان مختلفتان في البنية والقيادة. في الطرف الأول تقف حركة أنصار الله الحوثية، التي تمتلك قيادة عسكرية أكثر مركزية وقوة منظمة تضم وحدات برية وصاروخية وطائرات مسيّرة وقوات بحرية ووحدات خاصة وأجهزة أمنية، إلى جانب تشكيلات محلية وقبلية مرتبطة بها، وقد راكمت هذه المنظومة خبرة واسعة خلال سنوات الحرب، فيما ساهم الدعم الإيراني في تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة والاستخبارية والتقنية، من دون أن يلغي ذلك الطابع اليمني للقرار العملياتي الحوثي.
وفي الطرف الآخر يقف المعسكر المناهض للحوثيين، الذي يضم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي والجيش الوطني، إلى جانب تشكيلات عسكرية متعددة، أبرزها قوات “المق.اومة الوطنية” بقيادة طارق صالح، والقوات التابعة لـ”العمالقة”، وقوات جنوبية وتشكيلات محلية في تعز ومأرب والضالع وغيرها، فضلاً عن تشكيلات مثل “درع الوطن”. وهذا المعسكر يستند بصورة أساسية إلى الدعم السعودي، بينما لعبت الإمارات دوراً محورياً في بناء وتسليح عدد من القوى المحلية، ولا سيما في الساحل الغربي والجنوب.
وهنا يظهر أحد المفاتيح الأساسية لفهم موازين القوى الجديدة؛ فالحوثيون يتحركون ضمن منظومة أكثر تماسكاً في القيادة والقرار العسكري، بينما يتحرك خصومهم ضمن ائتلاف واسع من القوات التي تتفق على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتطابق بالضرورة في رؤيتها السياسية لمستقبل اليمن وشكل الدولة وتوزيع النفوذ.
الساحل الغربي
ويشكل الساحل الغربي نقطة الانقلاب الأبرز في الخريطة الحالية، بعدما انتقلت المعارك جنوب الحديدة باتجاه المخا ومحيطها، في ظل محاولات القوات المناهضة للحوثيين وقف التقدم وإعادة تنظيم خطوطها الدفاعية عبر الغارات والاشتباكات البرية والهجمات المضادة.
وتكتسب المخا أهميتها من موقعها الذي يجعلها حلقة وصل بين الساحل والداخل التعزي، وبالتالي فإن السيطرة عليها لا تمنح الطرف المسيطر مدينة ساحلية فحسب، وإنما تضع في يده عقدة عملياتية تسمح بالتأثير في حركة القوات والإمدادات بين الساحل وتعز، وتفتح مجالاً للضغط على المرتفعات والطرق التي تصل غرب اليمن بوسطه.
ولهذا فإن قيمة المخا العسكرية تتجاوز حدودها الجغرافية، لأن تثبيت السيطرة عليها يمكن أن يحول التقدم الحوثي من اختراق ساحلي إلى قاعدة متقدمة لإعادة تشكيل خطوط الجبهة، بينما نجاح القوات المناهضة للحوثيين في وقف التقدم أو استعادة المواقع المحيطة بها سيمنع تحول هذا الاختراق إلى واقع دفاعي مستقر.
عقدة تعز
وتأتي تعز في قلب هذه المعادلة بسبب موقعها الذي يربط الساحل بالمرتفعات والداخل، ولذلك فإن المعركة فيها تدور عملياً على التحكم بشبكة الحركة والإمداد أكثر مما تدور على السيطرة على مركز سكاني بعينه. فالممرات والمرتفعات الواقعة غرب المحافظة تستطيع أن تحدد قدرة أي طرف على نقل القوات من المخا نحو الداخل أو بالعكس، كما تستطيع أن تجعل القوات المنتشرة على الساحل أكثر أو أقل قدرة على تلقي التعزيزات.
وفي حال تمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم غرب تعز بالتزامن مع تثبيت وجودهم في المخا، فإنهم يستطيعون الضغط على خطوط الاتصال بين الساحل والداخل وتعقيد مهمة القوات المناهضة لهم في إعادة تجميع قواتها، بينما يؤدي نجاح الطرف الآخر في استعادة المرتفعات والطرق الحيوية إلى منع تشكل حزام حوثي متصل من الساحل نحو تعز.
وبذلك تصبح تعز معركة اتصال وإمداد، لأن الطرف الذي يملك طرقها ومرتفعاتها يمتلك جزءاً أساسياً من القدرة على تثبيت أو تفكيك المكاسب التي تحققت على الساحل.
محور الضالع
أما الضالع، فتكتسب أهميتها من كونها جبهة تماس رئيسية بين مناطق النفوذ الحوثي والمناطق الجنوبية، وهو ما يجعل استمرار القتال فيها وسيلة لاستنزاف القوات والاحتياط ومنع نقل كامل الثقل العسكري إلى الجبهات الساحلية أو الشرقية.
وتحاول القوات المناهضة للحوثيين إبقاء هذا المحور فعالاً لمنع الحوثيين من تركيز قواتهم على تعز والمخا، فيما يشكل الضغط الحوثي في المقابل وسيلة لإجبار خصومه على الاحتفاظ بقوة كبيرة في الجنوب.
ومن هنا فإن السيطرة على الضالع أو تحقيق اختراق واسع فيها لن تكون نتيجته محلية، لأن أي تقدم كبير يمكن أن يوسع نطاق العمليات جنوباً، بينما استمرارها جبهة مشتعلة يحقق بحد ذاته هدفاً استنزافياً عبر استهلاك القوات والذخائر والاحتياط.
عقدة البيضاء
والبيضاء تمثل واحدة من أهم نقاط التداخل بين الجبهات، بحكم موقعها الذي يربط عملياً بين محاور تعز والضالع ومأرب، ولذلك فإن السيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر مجالاً أوسع للمناورة ونقل القوات، وتسمح له بالتأثير في أكثر من اتجاه في وقت واحد.
ولهذا فإن فتح جبهة واسعة في البيضاء لا يستهدف بالضرورة الاستيلاء على كامل المحافظة، وإنما يمكن أن يكون هدفه الأساسي إجبار الخصم على توزيع قواته على مساحة أكبر، ومنعه من تركيز قوته في الساحل أو مأرب، وهو ما يجعل البيضاء جبهة ذات قيمة عملياتية تتجاوز الأرض التي يجري القتال عليها.
وفي حال نجح أحد الطرفين في تثبيت مواقع استراتيجية فيها، فإن ذلك يمكن أن يمنحه محوراً وسطياً للمناورة ويصعّب على خصمه حماية الجبهات المتباعدة في وقت واحد.
ثقل مأرب
وتمثل مأرب مركز الثقل الأبرز في الشرق، فهي ليست مجرد جبهة عسكرية، وإنما منطقة ترتبط بالطاقة والطرق والموارد وبالعمق العملياتي للقوات المناهضة للحوثيين. ولذلك فإن الضغط عليها يفرض على خصوم الحوثيين الاحتفاظ بكتلة عسكرية كبيرة للدفاع عنها، ما يقلص القدرة على نقل هذه القوات إلى تعز أو الساحل أو البيضاء.
وفي المقابل، فإن أي اختراق حوثي واسع في مأرب سيحمل نتائج تتجاوز البعد الجغرافي، لأنه سيضرب جزءاً مهماً من العمق العسكري والاقتصادي للمعسكر المناهض للحوثيين، ويفتح المجال أمام إعادة ترتيب خطوط الحركة في الشرق والوسط.
ولهذا فإن مأرب تشكل مخزوناً عسكرياً واقتصادياً في آن واحد، والسيطرة عليها أو تحييدها يمكن أن تغير قدرة الطرفين على مواصلة الحرب وإدارة احتياطهما.
بوابة الجوف
في الجوف تنتقل أهمية المعركة إلى العمق الشمالي، حيث يمثل موقع المحافظة بوابة باتجاه صعدة والمناطق التي تشكل مركز الثقل الحوثي. ولذلك فإن أي تقدم للقوات المناهضة للحوثيين فيها يفرض على الحوثيين تخصيص قوات لحماية مناطقهم الخلفية، ويمنعهم من نقل كامل ثقلهم إلى الساحل أو الوسط.
أما تثبيت الحوثيين لمواقعهم في الجوف، فيؤمن لهم حزاماً دفاعياً متقدماً ويحافظ على المسافة الفاصلة بين خطوط القتال وبين عمقهم الشمالي.
ومن هنا فإن الجوف ليست مجرد جبهة حدودية، وإنما تمثل خط الدفاع المتقدم عن العمق الحوثي، وأي تغيير كبير فيها سيؤثر مباشرة في طريقة توزيع القوة شمالاً.
حرب الإمداد
عند جمع هذه الجبهات في خريطة واحدة، يتضح أن جوهر المعركة لم يعد السيطرة على المدن بمعناها التقليدي، بل السيطرة على شبكة الحركة التي تجعل هذه المدن قابلة للدفاع أو قابلة للسقوط. فالسيطرة على المخا من دون تأمين الطريق نحو الداخل يمكن أن تتحول إلى عبء، كما أن السيطرة على مرتفعات تعز من دون القدرة على حماية خطوط الإمداد لا تنتج بالضرورة تفوقاً مستداماً.
ولهذا أصبحت الطرق والمرتفعات والممرات أكثر أهمية من المساحات المفتوحة، لأن الجيش الذي يستطيع نقل قواته وذخائره واحتياطاته بسرعة بين الجبهات يملك قدرة أكبر على امتصاص الضربات وإطلاق الهجمات المضادة، بينما يؤدي قطع الإمداد إلى تحويل التقدم الميداني نفسه إلى نقطة ضعف.
وهنا تكمن أهمية الربط بين المخا وتعز والبيضاء ومأرب والجوف، لأن السيطرة على كل عقدة تؤثر في قدرة الطرفين على الحفاظ على العقد الأخرى.
موازين جديدة
المعادلة التي تتشكل حالياً تقوم على محاولة الحوثيين تحويل التقدم الساحلي إلى منظومة عسكرية مترابطة، مقابل محاولة خصومهم منع هذا التحول عبر فتح جبهات متزامنة واستنزاف القوة الحوثية في أكثر من اتجاه.
فإذا نجح الحوثيون في تثبيت المخا وربطها بمحيط تعز، مع الحفاظ على مواقعهم في البيضاء والجوف ومواصلة الضغط على مأرب، فإنهم لا يكونون قد حققوا مكسباً جغرافياً فحسب، بل يكونون قد نقلوا ثقل المبادرة العسكرية إلى مساحة أوسع، وأجبروا خصومهم على توزيع قواتهم بين الساحل والوسط والشرق والشمال.
أما إذا تمكنت القوات المناهضة للحوثيين من وقف التقدم الساحلي وإعادة فتح طرق الاتصال بين المخا وتعز، بالتزامن مع تثبيت جبهتي مأرب والجوف واستعادة زمام المبادرة في البيضاء والضالع، فإنها تكون قد منعت الحوثيين من تحويل اندفاعتهم إلى واقع عسكري جديد، وحافظت على تعدد الجبهات كوسيلة لاستنزافهم.
نقطة التحول
لهذا فإن المعركة الحالية لا ينبغي أن تقاس بعدد المدن التي سقطت أو المواقع التي استعيدت فقط، وإنما بقدرة كل طرف على تحويل مكاسبه إلى شبكة عسكرية قابلة للاستمرار. فالسيطرة على المخا تعيد تعريف العلاقة بين الساحل وتعز، والسيطرة على طرق تعز تحدد قدرة أي طرف على الاحتفاظ بالساحل، بينما تمنح البيضاء مجالاً للمناورة الوسطية، وتبقي مأرب ثقلاً عسكرياً واقتصادياً في الشرق، فيما تشكل الجوف حاجزاً متقدماً يحمي العمق الشمالي للحوثيين.
ومن هنا تبدو موازين القوى الجديدة في طور التشكل، لا لأن طرفاً حسم الحرب، وإنما لأن شكل انتشار القوة بدأ يتغير. الحوثيون يحاولون استثمار تماسك منظومتهم في إنتاج مكاسب مترابطة، بينما يحاول المعسكر المناهض لهم استخدام تعدد قواته وجبهاته لإجبارهم على القتال في أكثر من اتجاه.
وبالتالي فإن الاختبار الحقيقي للجولة الحالية سيكون في مرحلة ما بعد الاختراق: هل يستطيع الحوثيون تثبيت الأرض وربطها بالإمداد والاحتياط، أم تتمكن القوات المناهضة لهم من تفكيك هذا التقدم وتحويله إلى جبهات معزولة قابلة للاستنزاف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت معارك الحديدة والمخا وتعز والبيضاء والضالع ومأرب والجوف مجرد جولة عسكرية واسعة، أم أنها بداية إعادة رسم فعلية لموازين القوى والخريطة العسكرية في اليمن.
موقع تقارير موقع تقارير
