السعودية تقصي الحريري من انتخابات الجمعيات البيروتية.. هل انتهى الوجود الحريري في العاصمة فعلاً؟
علي ضاحي خاص takarir.net
لم تكن انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية مجرد استحقاق أهلي عابر. ففوز اللائحة المدعومة من النائب فؤاد مخزومي بـ11 مقعداً من أصل 18، مقابل 7 للائحة تيار المستقبل وحلفائه، كشف تحولاً يتجاوز حدود المؤسسة إلى إعادة رسم موازين النفوذ في العاصمة.
ويأتي ذلك في ظل تراجع الحضور التنظيمي لتيار المستقبل وابتعاد سعد الحريري عن العمل السياسي المباشر، ما فتح الباب أمام قوى وشخصيات جديدة لمحاولة ملء المساحة التي تركها هذا الغياب.
الدعم السعودي
السؤال عن الدور السعودي لا يأتي من فراغ. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن دعم سعودي للائحة مخزومي وحلفائه، وربطت المعركة بإعادة ترتيب النفوذ داخل البيئة السنية والبيروتية. ولا توجد وثيقة سعودية معلنة تثبت صدور قرار مباشر بإقصاء سعد الحريري، لكن التحالفات والنتائج تعطي مؤشرات سياسية لا يمكن تجاهلها.
كما أن المعركة لم تنته بإعلان النتائج، إذ تقدم خاسرون بطعن أمام القضاء اعتراضاً على العملية الانتخابية، وترافق ذلك مع وقف تنفيذ النتائج بانتظار البت بالطعن. وبذلك انتقلت المواجهة من صناديق الاقتراع إلى القضاء، وباتت شرعية النتيجة نفسها جزءاً من النزاع السياسي والقانوني.
وهذا يعزز أهمية الانتخابات، لأنها لم تعد مجرد تبدل في تركيبة الاتحاد، بل أصبحت اختباراً لمن يملك النفوذ ومن يستطيع تثبيته داخل إحدى المؤسسات البيروتية المرتبطة تاريخياً بالحريرية.
التحول البيروتي
لكن القول إن الوجود الحريري انتهى في العاصمة سيكون مبالغة. فالحريرية انتقلت من مرحلة الهيمنة إلى مرحلة المنافسة، ومن موقع اللاعب الأوحد إلى موقع يحتاج إلى استعادة حضوره وإثبات قدرته على البقاء.
رفيق الحريري لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل أصبح جزءاً من تاريخ بيروت وذاكرتها. وسعد الحريري، رغم ابتعاده، لا يزال يمثل امتداداً لهذا الإرث لدى شريحة واسعة من البيروتيين. لذلك فإن ما يجري يعكس تراجعاً في النفوذ، لا محواً للوجود.
وتكتسب الانتخابات أهمية أكبر لأنها تكشف انتقال المؤسسات البيروتية تدريجياً إلى ساحة تنافس جديدة، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التحولات الإقليمية.
إسقاط الصور
ويزداد المشهد حساسية مع الصور المتداولة التي تظهر إنزال صور رفيق الحريري وسعد الحريري من مقر الاتحاد بحضور فؤاد مخزومي. وإذا ثبتت الواقعة في سياقها، فإنها تتجاوز تغيير الإدارة إلى فعل رمزي يحمل رسالة سياسية.
فالانتخابات تمنح الفائز حق إدارة المؤسسة، لكنها لا تمنحه حق محو تاريخها. وإنزال الصور، إذا كان متعمداً، يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لطي صفحة الحريرية، أو حتى تصفية حساب رمزية معها.
وهنا يصبح الحديث عن الكيدية والتشفي قراءة سياسية للمشهد، لا حكماً قاطعاً على النيات الشخصية.
كبر الخاسر
المفارقة أن سعد الحريري تعامل مع خسارة فريقه بكبر ونبل. لم يطعن بشرعية المنافسة ولم يحول النتيجة إلى مواجهة، بل هنأ الهيئة الجديدة والفائزين وتعامل مع الاستحقاق بروح ديمقراطية.
خسر الحريري الانتخابات، لكنه ربح في السلوك السياسي. أما المنتصر، فعليه أن يثبت أن الفوز كان من أجل بناء مرحلة جديدة، لا للانتقام من مرحلة سابقة.
ما بعد الحريرية
لذلك فإن ما انتهى في بيروت ليس الحريرية، بل احتكارها للمشهد. والسعودية، إذا كانت فعلاً تدعم إعادة توزيع النفوذ، تبدو أقرب إلى إعادة صياغة الساحة السنية من محو الإرث الحريري.
لكن الطعن ووقف النتائج يضيفان عاملاً مهماً إلى المشهد. فالنتيجة التي أظهرت تراجع نفوذ المستقبل لم تصبح نهائية بعد، والمعركة القضائية ستحدد ما إذا كان الانقلاب في موازين القوى داخل الاتحاد سيترسخ أم سيعاد النظر فيه.
بيروت قد تكون خرجت من زمن التمثيل الحريري الواحد، لكنها لم تخرج من الذاكرة الحريرية. فرفيق الحريري جزء من تاريخها، وسعد الحريري جزء من حاضرها السياسي، ولا تستطيع انتخابات واحدة، ولا حتى نتيجة انتخابية مطعون بها، أن تلغي هذا الإرث.
لقد ربح مخزومي وحلفاؤه 11 مقعداً، لكنهم لم يربحوا بعد المعركة كاملة، لأن القضاء دخل على خطها.
أما سعد الحريري، الذي خسر جولة انتخابية وتعامل معها بكبر ونبل، فيبقى أمام اختبار العودة إلى بيروت السياسية وإثبات أن الحريرية ليست مجرد تنظيم انتخابي، بل حضور متجذر يستطيع المنافسة حتى بعد خسارة مواقع النفوذ وربما كرس العزوف الحريري عن خوض الانتخابات النيابية في العام 2022 نوعاً من التراجع في الحضور.
فالحريرية لم تنتهِ من بيروت، لكنها لم تعد تملك بيروت وحدها. والنتيجة النهائية ستحددها صناديق الاقتراع والقضاء معاً.
موقع تقارير موقع تقارير
