من هرمز إلى البادية…صراع النفوذ يُرسم بالنار
# علي ضاحي خاص takarir.net
لم يعد ممكناً النظر إلى التطورات الأخيرة في المنطقة باعتبارها أحداثاً منفصلة؛ فالقصف الإيراني للقواعد الأميركية في الأردن، والضربات الأميركية التي استهدفت مواقع داخل العراق انطلاقاً من قواعد في السعودية، والرفض الإيراني القاطع للمقترح العُماني بشأن الإدارة المشتركة لمضيق هرمز، ليست سوى حلقات في معركة أكبر تدور حول من يرسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد الحرب الإسرائيلية على غزة وما تبعها من تحولات إقليمية.
وزاد هذا المشهد تعقيداً التصعيد السياسي الذي أعقب لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإس.رائيلية بنيامين نتنياهو، إذ لوّح ترامب برد عسكري “قاسٍ” على إيران إذا تعرضت القوات أو المصالح الأميركية لهجمات جديدة، مؤكداً أن واشنطن لن تتردد في استخدام القوة لحماية وجودها ونفوذها في المنطقة. ولم تكن هذه الرسائل موجهة إلى طهران وحدها، بل أيضاً إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وإس.رائيل، في محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع الأميركية بعد الضربة الإيرانية التي استهدفت القواعد الأميركية في الأردن.
رفض ايراني لمقترح عُمان
فالمسؤول الإيراني الذي أكد لـ”رويترز” أن مقترح الإدارة المشتركة لمضيق هرمز “لا فرصة لنجاحه”، لم يكن يرفض مجرد آلية تقنية لتنظيم الملاحة، بل كان يعلن سقوط فكرة إعادة توزيع موازين القوة البحرية في الخليج. فطهران تعتبر أن هرمز ليس ممراً مائياً فحسب، بل أحد أعمدة عقيدتها الاستراتيجية، وورقة ردع توازي في أهميتها برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي.
هذا الرفض يكشف أن إيران لا تنظر إلى المضيق بمنظار القانون البحري فقط، بل باعتباره نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي. لذلك فإن أي صيغة تمنح أطرافاً أخرى، سواء كانت دولاً خليجية أو ترتيبات مدعومة أميركياً، دوراً في إدارة هذا الشريان الحيوي، تعني بالنسبة إليها بداية تقليص نفوذها الاستراتيجي قبل أن تكون خطوة لتنظيم الملاحة.
استراتيجية تطويق اميركية لإيران
وفي المقابل، تبدو واشنطن وكأنها تعتمد استراتيجية تطويق متعددة المسارات. فالضربات التي طالت مواقع داخل العراق، انطلاقاً من قواعد في السعودية، لا تستهدف فقط إضعاف الفصائل الحليفة لإيران، بل تهدف إلى إعادة تثبيت معادلة الردع الأميركية وإفهام طهران أن خطوط إمدادها ونقاط ارتكازها البرية باتت مكشوفة. أما الرد الإيراني باستهداف قواعد أميركية في الأردن، فجاء ليؤكد أن أي ضغط على العراق أو الخليج لن يبقى محصوراً في جبهة واحدة، وأن مساحة الاشتباك يمكن أن تمتد إلى كل القوس الممتد من الخليج حتى شرق المتوسط.
رفع السقف ولا الحرب الشاملة
لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن الطرفين، رغم تبادل الضربات، يتجنبان حتى الآن الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فتهديدات ترامب، كما الرسائل الإيرانية الصاروخية، تبدو جزءاً من سياسة تقوم على رفع سقف الردع من دون إغلاق باب السياسة. فكل عملية عسكرية محسوبة بعناية، وتحمل رسائل تتجاوز الميدان إلى طاولة المفاوضات، حيث يتحول استخدام القوة إلى وسيلة لتحسين شروط أي تسوية مقبلة، لا إلى هدف بحد ذاته.
من هنا، لا يمكن فصل ملف هرمز عن التصعيد العسكري. فالولايات المتحدة تدرك أن السيطرة على أمن الممرات البحرية تعني التحكم بجزء كبير من سوق الطاقة العالمية، فيما ترى إيران أن الاحتفاظ بنفوذها في المضيق هو الضمانة الأخيرة لعدم عزلها استراتيجياً. ولذلك جاء رفضها للمقترح العُماني رسالة مباشرة إلى واشنطن قبل أن يكون موجهاً إلى مسقط، مفادها أن مستقبل هرمز لن يُكتب خارج الإرادة الإيرانية، وأن الضغوط العسكرية أو التهديدات السياسية لن تدفعها إلى التراجع عن هذا الموقف.
المنطقة، إذاً، لا تعيش مجرد تبادل للضربات، بل تشهد صراعاً على شكل النظام الإقليمي المقبل. فمن يفرض قواعد الأمن في مضيق هرمز، ومن يمسك بخطوط الإمداد في العراق، ومن يحدد حدود الاشتباك في الأردن وسوريا، سيكون الطرف الأكثر قدرة على صياغة التسويات المقبلة. لذلك فإن الصواريخ التي تنطلق اليوم لا ترسم فقط مساراتها في السماء، بل ترسم أيضاً خرائط النفوذ التي ستحدد ملامح الشرق الأوسط في السنوات القادمة، في وقت تبدو فيه المنطقة عالقة بين خيارين: تسوية تُفرض من موقع القوة، أو مواجهة أوسع إذا أخفقت سياسة الردع المتبادل في ضبط إيقاع الصراع.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
