هرمز بين “تعويضات” ترامب وأموال إيران المجمدة… هل بدأ عصر “الرسوم مقابل الأمن”؟
# علي ضاحي-خاص takarir.net
عاد مضيق هرمز إلى قلب المشهد الجيوسياسي العالمي، لكن هذه المرة ليس عبر تهديدات بإغلاقه أو استعراضات بحرية متبادلة، بل من خلال معركة مالية وقانونية قد تعيد رسم قواعد الصراع في الخليج. فقد طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض شركات الملاحة والسفن التي تضررت من الهجمات المنسوبة إلى إيران أو حلفائها، في خطوة تعكس انتقال واشنطن من سياسة العقوبات التقليدية إلى محاولة توظيف الأصول الإيرانية في إعادة تشكيل ميزان الردع الاقتصادي.
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً وحاسماً، إذ رفض الحرس الثوري أي مساس بالأموال المجمدة، معتبراً أن مصادرتها أو استخدامها في دفع التعويضات يمثل “قرصنة مالية” وانتهاكاً للقانون الدولي، محذراً من أن أي خطوة من هذا النوع ستقابل بإجراءات مضادة في الميدان البحري والسياسي.
خمس تجارة النفط المنقول بحراً
ولا يمكن فهم هذا السجال بعيداً عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. ولذلك فإن أي اضطراب أمني أو سياسي في هذا الممر ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية وكلفة التأمين والشحن، ما يجعل هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لكن المشهد الحالي يكشف عن ما يمكن وصفه بـ”الحصار المزدوج”. فمن جهة، تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض ضغوط مالية وبحرية على إيران، عبر العقوبات وتشديد الرقابة على صادراتها النفطية وانتشارها العسكري في الخليج. ومن جهة أخرى، تستخدم إيران موقعها الجغرافي ونفوذها البحري لإثبات أن أمن الملاحة لا يمكن ضمانه من دون مراعاة مصالحها، وأن أي محاولة لعزلها ستنعكس على حركة التجارة والطاقة العالمية.
وساطة عمانية
وسط هذه المواجهة، برزت تقارير عن وساطة عمانية تهدف إلى خفض التوتر، تتضمن آلية تسمح بتقديم مساهمات أو رسوم طوعية لتمويل خدمات حماية الملاحة وسلامتها في مضيق هرمز. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإنها لا تعني اعترافاً بسيادة إيرانية على المضيق، بل تمثل محاولة عملية لتوفير صيغة تضمن استمرار الملاحة وتجنب المواجهة العسكرية، مع منح طهران مورداً مالياً محدوداً وغير مباشر. وحتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي يؤكد اعتماد هذه الآلية بشكل نهائي، ما يعني أنها لا تزال في إطار المداولات السياسية.
وفي حال نجحت هذه الصيغة، فإن المنطقة ستكون أمام تحول استراتيجي بالغ الأهمية، إذ ستنتقل من مرحلة “حماية الممرات بالقوة العسكرية” إلى مرحلة “تمويل الأمن البحري بالتفاهمات الإقليمية”. أما إذا فشلت، فإن احتمالات التصعيد ستبقى قائمة، خصوصاً إذا مضت واشنطن في استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض الشركات المتضررة، وهو ما تعتبره طهران تجاوزاً لخطوطها الحمراء.
حق ادارة الامن والمرور لمن؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان مضيق هرمز سيغلق، بل من سيملك حق إدارة أمنه وتحديد قواعد المرور فيه. فالولايات المتحدة تريد تثبيت نظام ملاحة دولي تقوده هي وشركاؤها، فيما تسعى إيران إلى ترجمة ثقلها الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي دائم. وبين هذين المشروعين، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية صادراتها النفطية من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة من جهة أخرى.
في المحصلة، تبدو معركة هرمز اليوم أبعد من مجرد خلاف حول ناقلات النفط أو الأموال المجمدة. إنها مواجهة على مستقبل النظام الأمني في الخليج، وعلى هوية الجهة التي ستفرض قواعد اللعبة في أهم شريان للطاقة في العالم. وقد تكون التسويات المالية، إذا نضجت، أكثر تأثيراً من حاملات الطائرات، لأنها قد ترسم معادلة جديدة تقوم على تقاسم كلفة الأمن بدلاً من خوض الحروب من أجله.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
