بعد الضربات الليلية الأميركية على إيران: كيف تواجه طهران؟ وما مستقبل الاتفاق؟
#علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تكن الضربات الليلية الأميركية على إيران مجرد رسالة عسكرية، بل حلقة جديدة في صراع طويل بين منطق الضغط ومنطق التفاوض. فالولايات المتحدة حاولت من خلال القوة إعادة تثبيت معادلة الردع، بينما تحاول طهران منع تحول الضغوط العسكرية إلى تنازلات استراتيجية على طاولة المفاوضات. وقد جاءت الضربات في وقت حساس مع استمرار مسار تفاوضي وخارطة طريق للوصول إلى اتفاق نهائي خلال فترة محددة، ما يعكس التناقض بين التصعيد الميداني والرغبة في إدارة الأزمة سياسياً.
كيف يمكن لإيران أن تواجه؟
أمام إيران عدة مسارات، أولها الصمود السياسي والدبلوماسي. فطهران تدرك أن أي رد غير محسوب قد يعطي واشنطن مبرراً لتوسيع المواجهة، لذلك يبقى الحفاظ على قنوات التفاوض ورقة أساسية، خصوصاً إذا كان الهدف الوصول إلى تخفيف للعقوبات وضمانات اقتصادية.
المسار الثاني هو إدارة الردع. إيران تاريخياً اعتمدت على إظهار قدرتها على رفع كلفة الضغط عليها، ليس فقط عسكرياً، بل عبر أوراقها السياسية والإقليمية والاقتصادية. لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الموازنة بين الرد والحفاظ على فرصة الاتفاق.
المسار الثالث هو استخدام الوقت. فطهران قد تراهن على أن الضغوط الدولية والاقتصادية على واشنطن، إضافة إلى مخاوف الأسواق من استمرار التوتر، قد تدفع نحو تسوية أكثر توازناً. فالولايات المتحدة أيضاً لديها مصلحة في منع حرب مفتوحة طويلة الأمد في المنطقة.
هل تنجح إيران في تعديل شروط الاتفاق؟
الرهان الإيراني الأساسي سيكون على تحويل الاتفاق من صيغة “إملاءات تحت الضغط” إلى “تسوية متبادلة”. ولذلك ستسعى إلى الحصول على مقابل واضح: تخفيف العقوبات، فتح المجال الاقتصادي، وضمان عدم العودة إلى سياسة الانسحاب المفاجئ من الاتفاقات كما حدث سابقاً.
في المقابل، تريد واشنطن اتفاقاً أوسع من الملف النووي فقط، بحيث يشمل قيوداً وضمانات مرتبطة بالبرنامج النووي والسلوك الإقليمي. وهذا هو العقدة الأساسية التي قد تجعل المفاوضات طويلة ومعقدة.
مستقبل الاتفاق: ثلاثة احتمالات
الأول: اتفاق مرحلي طويل الأمد
وهو السيناريو الأكثر واقعية، حيث يتم تثبيت التهدئة، وفتح قنوات اتصال، وتأجيل الملفات الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة. وقد ظهرت بالفعل مساعٍ لوضع خارطة طريق ومواصلة التفاوض خلال مهلة محددة.
الثاني: اتفاق أوسع يعيد ترتيب العلاقة
وهذا يتطلب قراراً سياسياً كبيراً من الطرفين: إيران تقبل بقيود أكبر مقابل انفراج اقتصادي، والولايات المتحدة تقدم ضمانات أكثر استقراراً.
الثالث: انهيار الاتفاق والعودة إلى التصعيد
ويبقى قائماً إذا اعتبرت طهران أن الاتفاق ينتقص من سيادتها، أو إذا رأت واشنطن أن إيران لا تقدم تنازلات كافية. فالضربات الأخيرة أظهرت أن أي حادث ميداني يمكن أن يعيد إشعال الأزمة بسرعة.
في النهاية، المعركة الحالية ليست فقط حول منشآت أو صواريخ أو عقوبات، بل حول شكل النظام الإقليمي المقبل. الولايات المتحدة تريد تثبيت تفوقها وردع خصومها، بينما تريد إيران الخروج من الضغط مع الحفاظ على نفوذها وأوراقها. وبين القوتين تبقى طاولة التفاوض هي المسار الوحيد القادر على منع تحول الاشتباك إلى مواجهة مفتوحة.
فهل تكون الضربات مقدمة لانهيار الاتفاق، أم أنها جزء من لعبة الضغط التي تسبق ولادة اتفاق جديد؟ التجربة الأميركية ـ الإيرانية تقول إن التصعيد كثيراً ما كان يسبق التفاهم، لكن نجاح أي اتفاق هذه المرة سيتوقف على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة.
#علي ضاحي: خبير بالشأن الايراني
موقع تقارير موقع تقارير
