نسيب شمس
نسيب شمس

أين نحن من الرشد السياسي والحوكمة الرشيدة؟

أين نحن من الرشد السياسي والحوكمة الرشيدة؟

نسيب شمس/ (كاتب وباحث لبناني)

يستمر الصراع داخل المجتمع حول مصدر الشرعية السياسية وطبيعة النظام السياسي الأفضل منذ مطلع القرن الثامن عشر، صراع بين طرفين يختلفان بأطروحاتيهما السياسيتيين، طرفي الصراع العلمانيين ودعاة إقامة الخلافة.

لن نغوص في العمق الايديولوجي أو الديني للطرفين، بل سنتوقف عند مفهوم الرشد السياسي، والحكم الراشد والحوكمة الرشيدة.

الرشد في اللغة نقيض الغي والضلال، وهو وصف لقول أو فعل يحقق كرامة الإنسان وعزته وفاعليته، والرشد رديف العقل، فالراشد هو العاقل، ومنه سن الرشد أو مرحلة النمو التي يتحوّل فيها الطفل إلى إنسان بالغ مسؤول عن أفعاله وتصرّفاته. والراشد اسم فاعل، والرشيد اسم المفعول، وكلها تحمل معاني رجحان العقل والاهتداء إلى الصواب في الحكم.

كلمة رشد تحمل معنى آخر إضافة إلى صواب الرأي، فهي تشير إلى من بلغ النضج النفسي إضافة إلى النضج العقلي، فهي تدل على قدرة الإنسان على ضبط عواطفه ومنعها من الجنوح، وهي بالتاليتشير إلى بعد قيمي وجداني يجعل المرء ينضبط بضوابط أخلاقية إضافة إلى قدرته على النظر العقلي.

تحدد معالم الرشد السياسي بجملة من المبادئ الكلية والمعايير السياسية التي تجعل حياة الجماعة في المجتمع السياسيحياة منتجة مثمرة، تسمح للأفراد بتطوير حياتهم وتحقيق الإمكانيات النفسية والفكرية والإبداعية والتعاونية الكامنة فيهم في أجواء الحرية الضرورية لتطوير هذه القدرات الكامنة. هذه القيم هي في جوهرها الغايات الأساسية التي سعت الرسالات السماوية إلى تأكيدها وترسيخها في الحياة الاجتماعية، والتي تشكل المساهمة الحقيقية في تقديم الأساسين الأخلاقي والروحي الضروريين لارتقاء المجتمعات الإنسانية، وتحفيز الإنسان على تحقيق الغاية الأساسية من خلقه، والمتمثلة في تطوير الحياة الاجتماعية والطبيعية في حركة تاريخية مضطردة ومتسمرة منذ نشأت أول أشكال الحياة البشرية على ظهر الكرة الأرضية.

الرشد السياسي يتمثل إذن بمجموعة من الأحكام المنبثقة عن منظومة معيارية تعطي للرشد حقيقته ومعناه، سواء على مستوى الحكم والحكومة أو على مستوى المجتمع المدني والحوكمة.

الحوكمة مصطلح جديد هو ربط مسائل السياسة وإدارة الدولة بالقوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة في تشكيل السياسات الناظمة للحياة العامة، وهو بهذا المعنى يعكس تحوّلاً من المقاربة التقليدية لدراسة السياسة بوصفها نتاجاً لمؤسسات الدولة الرسمية، ودراسة الإدارة العامة للدولة بوصفها جهداً ديوانياً إدارياً صرفاً يسعى إلى تطبيق القوانين النافذة وتحقيق القرارات الحكومية.

أظهرت العديد من الدراسات والتحليلات السياسية لأداء المؤسسات العامة أن سياساتها لا تخضع حصرياً لاعتبارات فنية، ولا تحقق المصلحة العامة، بل تخضع أيضاً للحراك السياسي العام والتجاذبات بين القوى والجماعات السكانية التي يشكل مجموعها مجتمعاً سياسياً محدداً، كما يبرز هذا المصطلح تعبيراً عن الحاجة المتزايدة إلى إخضاع الفعل والممارسات السياسية لمنظومة من المعايير والقيم الأخلاقية الضرورية لرفع مستوى التعاطي السياسي والإداري، والحيلولة دون استشراء الفساد.

تركز الحوكمة على دور الجماعات السكانية والقوى الاجتماعية في تطوير السياسات التي تنظم الحياة العامة في المجتمع السياسي. كما أن الحوكمة تبحث في تفاعل قوى المجتمع، بصورة موازية ومُركبة، مع مؤسسات المجتمع الاساسية والتي تحكم نظام المجتمع الحديث، وتحديد مؤسسات الدولة، ومؤسسات السوق ومؤسسات المجتمع المدني.

في الثمانينات من القرن المنصرم استشعرت مؤسسات دولية؛ كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الحاجة إلى إخضاع العملية السياسية والقرار السياسي إلى ضوابط أخلاقية تقلّل من الفساد الإداري والمالي المستشري في الدول النامية وتحول دون استخدام السلطة السياسية لخدمة المصالح الخاصة للنخب الحاكمة، وبصورة خاصة للحيلولة دون استخدام المال العام للإثراء غير المشروع من قبل الساسة والموظفين الحكوميين.

أن أهمية مفهوم الحوكمة الصالحة أو الرشيدة لا تقتصر على السماح لنا بتقييم العمل السياسي من خلال القيم والمبادئ الأخلاقية، بل تتجاوزه إلى توفير مقاربة معرفية متماسكة لفهم العلاقة بين السياسة والدين. فهل سنبلغ سن الرشد السياسي؟ ومتى سنرتقي الى مستوى تحديات الحوكمة الرشيدة؟

شاهد أيضاً

“أمّ المعارك” في “الفيحاء”..هل سيكون رئيس الحكومة منها مُجدّداً؟

“أمّ المعارك” في “الفيحاء”..هل سيكون رئيس الحكومة منها مُجدّداً؟ كتب الصحافي علي ضاحي في جريدة …