من بشير إلى نديم الجميل…عراضات عسكرية تستقوي على “دولة” جوزاف عون ونواف سلام!
علي ضاحي خاص takarir.net
من بشير إلى نديم الجميل، لا تعود العراضة العسكرية مجرد مشهد حزبي أو مناسبة تنظيمية تستحضر “ذاكرة الكتائب وتاريخها”. في لبنان، حيث ترك السلاح الحزبي أثرا عميقا في الدولة والمجتمع، تصبح أي عراضة من هذا النوع سؤالا موجها قبل كل شيء إلى الدولة نفسها:
أين الدولة؟
السؤال لا يتعلق فقط بمن ظهر في العراضة، ولا بمن ارتدى الزي العسكري، ولا بالرسالة التي أراد المنظمون إيصالها. السؤال الأهم هو: كيف تسمح الدولة بأن تستعيد الأحزاب لغة الاستعراض العسكري في وقت تقول فيه إنها تريد استعادة هيبتها واحتكار قرارها؟
هنا تقع مسؤولية جوزاف عون ونواف سلام.
فالدولة التي تريد أن تفرض حضورها لا تستطيع أن تكون مجرد متفرج على المشهد السياسي، ثم تطلب من الآخرين احترام هيبتها. هيبة الدولة لا تصنعها البيانات، ولا الخطابات، ولا الشعارات؛ تصنعها قدرتها على وضع قواعد واضحة وتطبيقها على الجميع.
وإذا كانت العراضة عسكرية في شكلها ومضمونها، فإن مسؤولية الدولة تبدأ من تحديد الإطار القانوني لها، ومن معرفة طبيعة السلاح الظاهر فيها، ومنع أي مظهر يمكن أن يعيد إلى اللبنانيين صور مرحلة الحرب الأهلية.
وهنا تحديدا يجب ألا تختلط الأمور.
المقا.و.مة ليست ميليشيا.
المقا.و.مة نشأت في سياق مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وسلاحها ارتبط تاريخيا بمواجهة العدو والدفاع عن الأرض. لذلك لا يصح وضع سلاح الم.ق.اومة في الخانة نفسها مع استعراض حزبي للقوة داخل المجتمع اللبناني.
المسألة إذن ليست مساواة بين حالتين مختلفتين.
المسألة هي مسؤولية الدولة في أن تضع معيارا وطنيا واحدا للتعامل مع القوة المسلحة والاستعراضات العسكرية داخل البلاد، وأن تحدد بوضوح ما يخدم الدفاع عن لبنان وما يمكن أن يتحول إلى استقواء على الداخل.
الدولة أمام اختبارها الحقيقي
منذ وصول جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام، يرفع الخطاب الرسمي عنوانا أساسيا: الدولة أولا.
لكن الدولة لا تصبح أولا بمجرد إعلان ذلك.
الدولة تصبح أولا عندما يشعر كل لبناني أن لا حزب يستطيع أن يتصرف وكأنه دولة، ولا طائفة تستطيع أن تبني لنفسها قوة موازية، ولا جهة سياسية تستطيع أن تستخدم الشارع أو الاستعراض أو فائض القوة لفرض معادلة على المؤسسات.
وهنا يصبح المشهد الذي ظهر فيه نديم الجميل أمام عراضة عسكرية اختبارا للدولة قبل أن يكون اختبارا للكتائب.
فإذا كانت الدولة تعتبر مثل هذه المظاهر مقبولة، فعليها أن تقول ذلك بوضوح.
وإذا كانت تعتبرها تجاوزا، فعليها أيضا أن تقول ذلك بوضوح، وأن تطبق القانون.
أما الصمت، فهو الذي يحول العراضة من مشهد عابر إلى رسالة سياسية.
المشكلة ليست في الذاكرة… بل في الحاضر
من حق الكتائب أن تستعيد “صورتها” السياسية كحزب مسيحي.
ومن حق نديم الجميل أن يتحدث عن بشير.
ومن حق أي حزب أن يحتفل برموزه وأن ينظم نشاطاته.
لكن لا يمكن أن تتحول الذاكرة إلى استعراض قوة في الحاضر.
لبنان دفع ثمنا باهظا عندما تحولت الأحزاب إلى قوى مسلحة، وعندما أصبح لكل طرف منطقه الأمني والعسكري ومناطق نفوذه.
والدولة التي خرجت من الحرب يفترض ألا تسمح بعودة هذه الثقافة، أيا كان لونها السياسي أو الطائفي.
وهذا لا يعني وضع المقا.و.مة والعراضات الحزبية في سلة واحدة.
بل يعني العكس تماما: أن تضع الدولة تعريفا واضحا لكل حالة، وتتحمل مسؤولية إدارة العلاقة بينها وبين مؤسساتها.
لماذا الصمت أخطر من العراضة؟
لأن العراضة تنتهي بانتهاء المسير.
أما الرسالة التي تتركها فتستمر.
إذا رأى اللبناني أن قوة حزبية تستطيع أن تستعرض منظومتها التنظيمية والعسكرية أمام الدولة من دون موقف واضح منها، فسوف يسأل ببساطة:
ما الذي يمنع غيرها من فعل الشيء نفسه؟
وهنا تبدأ مشكلة الدولة.
فالاحتكار الحقيقي للقوة لا يعني مواجهة طرف واحد، ولا يعني استهداف المقاومة تحت عنوان الدولة، بل يعني أن تكون الدولة صاحبة القرار في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع، وأن تكون مؤسساتها هي المرجعية في الأمن والدفاع، مع التمييز بين المقاومة في مواجهة الاحتلال وبين السلاح المستخدم في الداخل.
جوزاف عون ونواف سلام أمام المسؤولية .المسؤولية الآن ليست على نديم الجميل وحده.
إنها على الدولة. على رئيس الجمهورية، وعلى رئيس الحكومة، وعلى وزارة الداخلية، وعلى الأجهزة والمؤسسات المعنية.
فإذا كانت العراضة قانونية، فليكن ذلك واضحا. وإذا كان فيها ما يخالف القانون، فلتتحرك المؤسسات.
أما ترك المشهد في المنطقة الرمادية، فيعني أن الدولة نفسها تسمح بإعادة إنتاج الالتباس الذي تقول إنها جاءت لإنهائه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كيف يمكن لدولة أن تطالب الجميع باحترام هيبتها، فيما تعجز عن تحديد حدود الاستعراض الحزبي للقوة؟
لبنان لا يحتاج إلى عودة العراضات العسكرية. ولا يحتاج إلى استعادة زمن الحرب تحت عناوين جديدة. ولا يحتاج إلى مساواة المقاومة بالميليشيات.
بل يحتاج إلى دولة مسؤولة، تعرف كيف تميز بين مقاومة المحتل وبين الاستقواء على الداخل، وتعرف أيضا أن تطبيق القانون لا يكون انتقائيا.
من بشير إلى نديم الجميل، تغيرت الأسماء والعهود.
لكن السؤال بقي نفسه:
هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تكون أقوى من العراضة، أم أن العراضة هي التي تكشف حدود الدولة؟
هنا تحديدا يبدأ امتحان جوزاف عون ونواف سلام. ليس في مواجهة المق.او.مة، بل في إثبات أن الدولة دولة على الجميع.
موقع تقارير موقع تقارير
