من الخليج إلى أوروبا.. خريطة القواعد الأميركية التي قصفتها ايران وتدير الحرب في المنطقة!
تقرير خاص – takarir.net
ليست القوة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط مجموعة من القواعد المتناثرة، بل شبكة عسكرية متكاملة تمتد من الخليج إلى العراق والأردن وسوريا، وتتصل غربا بتركيا وأوروبا.
في هذه الشبكة تؤدي كل قاعدة وظيفة مختلفة: قيادة العمليات، تشغيل الطائرات، الإنذار المبكر، الدفاع الجوي، النقل والإمداد، تخزين المعدات، أو إدارة العمليات البحرية.
ومع تحول المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى حرب مفتوحة، انتقلت هذه القواعد من كونها منصات لتوجيه القوة الأميركية إلى أهداف مباشرة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وتكشف صور الأقمار الصناعية التي حللتها مؤسسات إعلامية متخصصة أن حجم الأضرار في المنشآت الأميركية كان أكبر بكثير مما ظهر في البيانات الرسمية الأولى. فقد وثقت Washington Post أضرارا أو تدميرا في 228 منشأة أو قطعة معدات عسكرية عبر 15 موقعا أميركيا في المنطقة، بينها 217 مبنى و11 قطعة من المعدات العسكرية. وشملت الأضرار حظائر ومساكن ومستودعات وقود ورادارات ومنظومات دفاع جوي ومعدات اتصالات وطائرات.
لكن الصورة لا تعني أن جميع القواعد الأميركية تعرضت للقصف. فهناك قواعد كانت في قلب المعركة، وأخرى بقيت خارج الاستهداف المباشر، بينها إنجرليك في تركيا ورامشتاين في ألمانيا.
العديد.. غرفة العمليات الجوية الأميركية
تحتل قاعدة العديد الجوية في قطر موقعا مركزيا في المنظومة العسكرية الأميركية.
فالقاعدة تمثل مقرا متقدما للقيادة المركزية الأميركية، وتوفر بنية تحتية للعمليات الجوية والقيادة والسيطرة والنقل والإسناد. ولهذا فإن أهميتها تتجاوز الطائرات الموجودة فيها إلى كونها واحدة من مراكز إدارة العمليات الأميركية في الشرق الأوسط.
وخلال الحرب، تعرضت العديد لهجمات إيرانية، وأظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارا في مواقع اتصالات فضائية ومنشآت مرتبطة بالبنية العسكرية للقاعدة. كما وثقت تحليلات مستقلة أضرارا في أكثر من موقع داخل المنشأة.
وتكتسب الضربة على العديد أهمية خاصة لأنها تستهدف العقل العملياتي وليس مجرد مدرج أو طائرة.
البحرين.. قلب الأسطول الخامس
إذا كانت العديد مركزا أساسيا للقوة الجوية والقيادة، فإن البحرين هي القلب البحري للوجود الأميركي في الخليج.
تستضيف المملكة مقر الأسطول الخامس الأميركي، الذي تشمل مسؤوليته مناطق الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي.
ولهذا أصبحت المنشآت البحرية الأميركية في البحرين من أبرز الأهداف الإيرانية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارا في مقر الأسطول الخامس، بينها مبان ومنشآت اتصالات، إضافة إلى تضرر قبة رادار ومعدات مرتبطة بالدفاع الجوي. كما وثقت صور أخرى أضرارا في منشآت رادارية في قاعدتي عيسى والرفاع.
وتشير دراسة Washington Post إلى أن أكثر من نصف الأضرار التي وثقتها في المواقع التي درستها تركزت في مقر الأسطول الخامس والقواعد الثلاث الرئيسية في الكويت، ما يجعل البحرين والكويت من أكثر المناطق تضررا.
والأهم أن الضرر لم يكن رمزيا؛ فقد أدى حجم الأضرار في منشآت الأسطول الخامس إلى نقل وظائف القيادة البحرية الأميركية إلى الولايات المتحدة، بحسب تقارير صحفية.
الكويت.. العمود الفقري اللوجستي
تمثل الكويت نوعا مختلفا من القوة العسكرية الأميركية.
فالقواعد الأميركية هناك، ومنها علي السالم، وعريفجان، وبويرنغ، تؤدي وظائف النقل والإمداد والتخزين والحشد والتحرك العسكري.
ولذلك كانت هذه المنشآت من أكثر الأهداف تعرضا للضربات الإيرانية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارا في مبان وحظائر ومنشآت تخزين، إضافة إلى أضرار في الرادارات وقباب الحماية ومرافق الطاقة والوقود. كما وثقت الصور أضرارا في منشآت داخل معسكر بويرنغ.
وأشارت Washington Post إلى أن علي السالم وعريفجان وبويرنغ، إلى جانب مقر الأسطول الخامس في البحرين، شكلت الجزء الأكبر من الأضرار التي جرى توثيقها.
وهذا ليس تفصيلا ثانويا، لأن ضرب العقد اللوجستية يهدف إلى إضعاف قدرة الجيش الأميركي على إبقاء قواته وطائراته ومعداته في حالة جاهزية مستمرة.
الإمارات.. الظفرة والدفاع الجوي
تعد قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات إحدى أهم ركائز القوة الجوية الأميركية في الخليج.
وتستخدم القاعدة في العمليات الجوية والاستطلاع والإنذار المبكر، كما ترتبط بمنظومة الدفاع الجوي الإقليمية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أضرارا في مواقع مرتبطة بمنظومة THAAD في الإمارات، وهي من أهم منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية.
وتكمن أهمية استهداف هذه المواقع في أنها لا تحمي قاعدة واحدة فقط، بل تدخل ضمن شبكة الإنذار والاعتراض التي تحاول واشنطن وحلفاؤها من خلالها حماية القواعد والمنشآت الحيوية في الخليج. وقد وثقت Washington Post أضرارا في رادارات ومعدات THAAD في الإمارات.
السعودية.. الأمير سلطان وسلاح الإنذار المبكر
في السعودية، تشكل قاعدة الأمير سلطان الجوية منصة مهمة للعمليات الجوية الأميركية.
وتضم القاعدة قدرات للطيران والقيادة والسيطرة والإنذار المبكر والتزود بالوقود.
وقد وثقت صور الأقمار الصناعية أضرارا مباشرة في معدات وطائرات داخل القاعدة، بينها طائرة E-3 Sentry للإنذار المبكر والسيطرة، إضافة إلى طائرة تزويد بالوقود.
وهنا تتجاوز أهمية الخسارة قيمة الطائرة نفسها.
فالـE-3 ليست طائرة قتالية تقليدية، بل منصة جوية توفر صورة واسعة للمجال الجوي وتساعد في تنسيق العمليات وإدارة الطائرات المقاتلة.
لذلك فإن إصابة طائرة من هذا النوع تمثل ضربة لقدرة القيادة الجوية والاستطلاع، وليس مجرد خسارة قطعة عسكرية.
الأردن.. الدفاع الجوي في الخط الأمامي
يكتسب الوجود الأميركي في الأردن أهمية استراتيجية بسبب موقع المملكة بين العراق وسوريا والسعودية وإسرائيل.
وتبرز قاعدة موفق السلطي الجوية ومواقع أخرى ضمن شبكة الوجود الأميركي، إضافة إلى منظومات دفاع جوي وصاروخي.
وقد وثقت صور الأقمار الصناعية أضرارا في معدات THAAD في قاعدة موفق السلطي، فيما أعلنت إيران في 30 آب/أغسطس استهداف قاعدتي الملك حسين والأزرق بصواريخ باليستية.
لكن هنا يجب التمييز بين إعلان إيران عن الاستهداف وبين حجم الأضرار الفعلية.
وفي أحدث موجة، قالت تقارير إن صواريخ باتجاه الأردن اعترضتها الدفاعات الجوية، ولم تعلن واشنطن عن خسائر بشرية في تلك الضربة.
العراق.. أقرب القواعد إلى إيران
يشكل العراق جبهة مختلفة، نظرا إلى قربه الجغرافي من إيران وطبيعة الوجود الأميركي فيه.
ومن أبرز المواقع الأميركية عين الأسد ومواقع في إقليم كردستان، بينها منشآت مرتبطة بمطار أربيل.
وتستخدم هذه المواقع في العمليات الجوية والاستخباراتية واللوجستية وفي دعم القوات الأميركية المنتشرة في العراق وسوريا.
ومع تصاعد الحرب، تعرضت مواقع أميركية في العراق لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وأعلنت إيران في أحدث موجة استهداف مواقع أميركية في العراق.
وتبقى بعض تفاصيل الأضرار الحديثة غير مؤكدة بصورة مستقلة، ما يفرض الحذر في التعامل مع البيانات الإيرانية والأميركية على السواء.
التنف.. القاعدة التي تتحكم بالممرات
تقع قاعدة التنف في جنوب شرق سوريا بالقرب من المثلث الحدودي السوري ـ العراقي ـ الأردني.
وتكمن أهميتها في موقعها الجغرافي أكثر من حجمها العسكري.
فالقاعدة تقع قرب طرق برية استراتيجية تربط العراق بسوريا والأردن، ولذلك توفر للولايات المتحدة موقعا متقدما للمراقبة والعمليات والاستخبارات.
ووجودها في هذه المنطقة يمنح واشنطن قدرة على مراقبة جزء من حركة القوات والإمدادات على أحد أهم الممرات البرية في المنطقة.
إنجرليك.. القاعدة الأميركية التي لم تتعرض للقصف الإيراني
في جنوب تركيا تقع قاعدة إنجرليك الجوية، وهي من أهم حلقات الربط بين الوجود الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط.
وتوفر القاعدة قدرات للنقل الجوي والانتشار والإسناد والعمليات الجوية، فيما يجعل موقعها في أضنة منها منصة متقدمة يمكن استخدامها لدعم العمليات في الشرق الأوسط.
لكن نقطة أساسية يجب تثبيتها:
إنجرليك لم تتعرض للقصف الإيراني.
ومع أن إيران أطلقت صواريخ باتجاه المجال التركي خلال الحرب، وتم اعتراض بعضها بواسطة منظومات دفاعية تابعة للناتو، فإن ذلك لا يعني أن قاعدة إنجرليك تعرضت لهجوم.
وقد انتشرت خلال الحرب مقاطع وصور نسبت إلى قصف إيراني للقاعدة، إلا أن التحقق من بعضها أظهر أنها قديمة أو لا علاقة لها بإنجرليك.
وهكذا تبقى إنجرليك ضمن الخريطة الاستراتيجية الأميركية، ولكنها لا تدخل في قائمة القواعد التي تعرضت للضربات الإيرانية المباشرة.
وهذه نقطة مهمة في قراءة المشهد، لأن وجود قاعدة في منطقة قريبة من الحرب لا يعني بالضرورة أنها أصبحت هدفا عسكريا.
رامشتاين.. العمق الأميركي في ألمانيا
إذا كانت إنجرليك تمثل الجسر بين أوروبا والشرق الأوسط، فإن قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا تمثل أحد أهم أعمدة العمق الأميركي في أوروبا.
فالقاعدة تؤدي دورا مركزيا في النقل الجوي، والإمداد، والإخلاء الطبي، والقيادة والسيطرة، وربط القوات الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط بالولايات المتحدة.
ولا تعمل رامشتاين كقاعدة أمامية لضرب إيران، لكنها جزء من البنية التي تسمح للجيش الأميركي بتحريك القوات والمعدات والإمدادات عبر المحيط الأطلسي وأوروبا وصولا إلى ساحات العمليات.
ومن هنا فإن قيمتها الاستراتيجية تكمن في العمق اللوجستي.
ومثل إنجرليك، لم تتعرض رامشتاين للقصف الإيراني.
وبالتالي يجب ألا تظهر في التقرير تحت عنوان القواعد التي أصابتها إيران، بل ضمن القواعد التي تشكل العمق الاستراتيجي للانتشار الأميركي.
228 هدفا.. ماذا كشفت الأقمار الصناعية؟
أهم ما كشفته الحرب هو الفارق بين البيانات الرسمية والصور الفضائية.
فقد وثقت Washington Post، عبر تحليل أكثر من 100 صورة أقمار صناعية عالية الدقة، أضرارا أو تدميرا في 228 منشأة أو قطعة معدات عسكرية في 15 موقعا أميركيا.
وشملت القائمة:
حظائر طائرات.
مباني سكنية وثكنات.
مستودعات.
منشآت وقود.
رادارات.
معدات اتصالات.
منظومات باتريوت.
منظومات THAAD.
أطباق اتصالات فضائية.
طائرة E-3 للإنذار المبكر.
طائرة للتزود بالوقود.
وقد وثقت الصور، على وجه الخصوص، أضرارا في العديد والبحرين والكويت والأردن والإمارات والسعودية.
لكن Washington Post شددت أيضا على أن هذا الرقم ليس جردا نهائيا لكل الأضرار، بل حصيلة ما أمكن توثيقه من الصور المتاحة حتى منتصف نيسان/أبريل.
الخسائر البشرية.. ما هو المؤكد؟
في الجانب البشري، ينبغي التعامل بحذر شديد مع الأرقام المتداولة.
فخلال مراحل الحرب، أعلنت الولايات المتحدة عن قتلى وجرحى في صفوف قواتها نتيجة الهجمات على القواعد، فيما قدمت إيران أرقاما مختلفة عن الخسائر الأميركية.
وفي أحدث موجة تصعيد في أيلول/سبتمبر، أعلنت واشنطن عدم وقوع خسائر بشرية في الهجمات الأخيرة، بينما تحدثت طهران عن إصابات وأضرار أكبر.
لذلك، لا يصح صحافيا وضع الادعاءات الإيرانية والأميركية في خانة واحدة، بل يجب فصل الخسائر المؤكدة عن الأرقام التي لم يتم التحقق منها مستقلا.
وتكشف خريطة القواعد أن واشنطن بنت وجودها العسكري على طبقات متعددة.
في الخليج توجد القواعد الأمامية التي تنفذ وتدعم العمليات.
في الأردن والعراق وسوريا توجد المواقع المتقدمة الأقرب إلى ساحات الصراع.
وفي تركيا وأوروبا يوجد العمق الذي يوفر النقل والإمداد والقيادة والحركة الاستراتيجية.
وهذا يجعل أي حرب طويلة اختبارا لقدرة الولايات المتحدة على حماية الشبكة بأكملها.
فإذا ضربت إيران قاعدة جوية، تستطيع واشنطن نقل بعض الطائرات.
وإذا أصابت مستودعا، يمكن تعويض بعض المعدات.
لكن عندما تتعرض مراكز القيادة والاتصالات والدفاع الجوي والوقود والطائرات اللوجستية للضرب في وقت واحد، فإن التأثير يتجاوز الضرر المادي إلى طريقة إدارة الحرب نفسها.
ولهذا بدأت واشنطن، بحسب تقارير أميركية، تدرس مستقبل انتشارها العسكري في الخليج وإمكان تقليص وجودها في بعض القواعد التي تعرضت لأضرار كبيرة.
الخلاصة
الحرب لم تثبت أن إيران قادرة على تدمير الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، كما أنها لم تثبت أن الدفاعات الأميركية عاجزة عن حماية قواعدها.
لكنها أثبتت شيئا أكثر أهمية:
القواعد الأميركية، مهما بلغت تحصيناتها، لم تعد مناطق آمنة خارج نطاق الحرب.
من البحرين والكويت إلى قطر والسعودية والأردن والإمارات والعراق، أصبحت المنشآت الأميركية أهدافا يمكن الوصول إليها بالصواريخ والمسيّرات.
وفي المقابل، بقيت إنجرليك في تركيا ورامشتاين في ألمانيا خارج القصف الإيراني المباشر، لتشكلا جزءا من العمق الذي يمكن لواشنطن الاعتماد عليه إذا اضطرت إلى إعادة توزيع قواتها.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية الكبرى:
كلما تعرضت القواعد الأمامية في الخليج للضغط، ازدادت قيمة القواعد الخلفية في تركيا وأوروبا.
وكلما اتسعت دائرة الحرب، لم يعد السؤال فقط: أين تستطيع أميركا ضرب إيران؟
بل أصبح السؤال الآخر أكثر إلحاحا:
كم من الوقت تستطيع واشنطن إبقاء هذه الشبكة الممتدة من ألمانيا إلى الخليج تعمل بكفاءة، إذا أصبحت عقدها الرئيسية نفسها تحت النار؟
موقع تقارير موقع تقارير


