استعراض إيران العسكري..رسالة لأميركا وإسرائيل وشدّ للعصب الداخلي!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
لم يكن الاستعراض العسكري والشعبي في طهران مجرد عرض للقدرات العسكرية الإيرانية، بل جاء في توقيت شديد الحساسية، بينما تخوض إيران مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتواجه في الوقت نفسه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة.
المشهد حمل رسالتين متوازيتين: رسالة ردع إلى الخارج، ورسالة تعبئة إلى الداخل. فإظهار الصواريخ والمسيّرات والمنظومات العسكرية يهدف إلى التأكيد على استمرار القدرة على المواجهة، فيما يهدف الحشد الشعبي والتعبئة العسكرية إلى إظهار تماسك الجبهة الداخلية واستعدادها لحرب قد تطول.
رسالة واشنطن
إلى الولايات المتحدة، يأتي الاستعراض في إطار حرب الأعصاب المتبادلة. فطهران تريد أن تمنع خصومها من بناء تقدير يقوم على أن الضربات العسكرية والضغط الاقتصادي قادران وحدهما على دفعها إلى التراجع.
ولا يعني ذلك أن الاستعراض يغيّر ميزان القوى العسكري التقليدي مع واشنطن، بل إن الرسالة الإيرانية تقوم على معادلة مختلفة: رفع كلفة الحرب وإظهار القدرة على الاستمرار والمواجهة رغم التفوق العسكري الأميركي.
وهنا تتحول القدرات غير المتماثلة، وخصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جزء أساسي من استراتيجية الردع الإيرانية.
رسالة إس.رائيل
أما بالنسبة إلى إس.رائيل، فتكتسب الصورة بعداً أكثر مباشرة. فإظهار المسيّرات والمنظومات الصاروخية والدفاعية يأتي في سياق محاولة تثبيت أن القدرات الإيرانية لم تُستنزف بالكامل بفعل الضربات.
والرسالة ليست بالضرورة أن إيران تمتلك تفوقاً عسكرياً، وإنما أن أي عملية عسكرية واسعة ضدها يمكن أن تنتج جولات متبادلة من الضربات والاستنزاف، وأن قدرة إيران على استخدام أدواتها الصاروخية والمسيّرة تبقى عنصراً في حسابات أي مواجهة مقبلة.
شدّ الداخل
لكن قراءة الاستعراض من زاوية الخارج فقط ستكون ناقصة.
فالسلطات الإيرانية تحتاج، في زمن الحرب، إلى إنتاج صورة عن دولة متماسكة ومجتمع مستعد لتحمل الكلفة. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين العرض العسكري والحشد الشعبي وبرامج التطوع والتدريب.
إن تحويل الحرب من مواجهة بين القوات المسلحة والخصوم إلى قضية دفاع وطني أوسع يساعد السلطة على رفع المعنويات، وتعزيز الجهوزية، وإظهار أن الحرب لم تعزل القيادة عن قاعدتها الشعبية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار حجم المشاركة في فعالية منظمة رسمياً مؤشراً حاسماً على المزاج السياسي لجميع الإيرانيين. فالحشد الجماهيري يثبت وجود تعبئة، لكنه لا يقدم وحده قياساً مستقلاً لمستوى التأييد السياسي.
رقم 313
ومن بين التفاصيل التي تحتاج إلى قراءة دقيقة الرقم 313 الذي أُعلن عن مشاركة هذا العدد في الفعالية.
للرقم دلالة معروفة في التراث الإمامي الشيعي، إذ تذكر روايات مرتبطة بالإمام المهدي أن 313 من أصحابه وأنصاره يمثلون جماعة أساسية من أنصاره عند ظهوره.
لكن لا ينبغي الانتقال من هذه الحقيقة التراثية إلى الجزم بأن السلطات الإيرانية اختارت الرقم 313 في الاستعراض بقصد استحضار الإمام المهدي، ما لم يصدر عن الجهة المنظمة تفسير مباشر يثبت ذلك.
وعليه، يمكن الإشارة إلى الدلالة الرمزية للرقم باعتبارها احتمالاً ثقافياً قائماً، لا حقيقة سياسية مؤكدة. وهذه التفرقة مهمة، خصوصاً في مقال استراتيجي يريد الفصل بين الوقائع والتأويلات.
تعبئة طويلة
وتكشف حملة التطوع والتدريب عن بعد آخر في الاستراتيجية الإيرانية: الاستعداد لاحتمال حرب طويلة. فكلما طال أمد المواجهة، يصبح عامل القدرة على التعويض والتعبئة والحفاظ على الجبهة الداخلية أكثر أهمية من مجرد امتلاك منظومات متطورة.
وتحاول طهران بذلك بناء طبقات متعددة من القدرة على الصمود: القوات النظامية والحرس الثوري والباسيج، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في أعمال الدفاع والطوارئ.
وهذا لا يعني بالضرورة أن إيران تستعد لحرب شاملة لا نهاية لها، لكنه يعكس استعداداً سياسياً وعسكرياً للتعامل مع سيناريو استمرار التصعيد.
حرب الأعصاب
في المقابل، يخدم الاستعراض وظيفة نفسية وسياسية في حرب الأعصاب. فإيران تريد أن تقول لخصومها إن الضغوط لم تنتج انهياراً سريعاً في بنية الدولة، وإن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة تراجع قدرتها على الحشد.
وهذه الرسالة مهمة في أي مفاوضات مستقبلية أيضاً. فالدولة التي تظهر قدرة على الصمود تستطيع محاولة الدخول إلى التفاوض من موقع مختلف عن الدولة التي تظهر أنها فقدت أدوات الضغط.
لذلك، لا ينبغي فصل الاستعراض العسكري عن المسار الدبلوماسي. فالقوة المعروضة في الشارع قد تكون جزءاً من الرسالة التي تريد طهران إرسالها إلى طاولة أي تفاوض مقبل.
ما بعد الحرب
والأهم أن طهران تبدو معنية ليس فقط بإدارة الحرب الحالية، بل أيضاً بكيفية الخروج منها. فإذا اتجهت المواجهة نحو تسوية، ستحتاج إيران إلى إثبات أنها خرجت من الحرب وهي لا تزال قادرة على الردع والتعبئة.
أما إذا استمر القتال، فإن توسيع قاعدة الجهوزية الشعبية يمنحها أدوات إضافية لإدارة حرب استنزاف طويلة.
ومن هنا يصبح الاستعراض جزءاً من معركة على الرواية أيضاً: من يملك القدرة على الصمود؟ من يحدد كلفة الحرب؟ ومن يستطيع الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية؟
الرسالة المزدوجة
في المحصلة، يصعب اختزال استعراض طهران في رسالة عسكرية إلى واشنطن وتل أبيب، كما يصعب اعتباره مجرد فعالية لتعبئة الداخل.
إنه مزيج من الردع والتعبئة.
الصواريخ والمسيّرات تقول للخصم إن أدوات المواجهة لا تزال حاضرة، والحشد الشعبي يقول للداخل إن الدولة تريد الاستمرار في الحرب وهي تظهر متماسكة، فيما تحمل الرموز والأرقام طبقات إضافية من الدلالات الثقافية والسياسية، من دون أن يعني ذلك أن كل رمز أو رقم كان بالضرورة مقصوداً به توجيه رسالة محددة.
وبذلك، فإن القيمة الحقيقية للاستعراض لن تظهر في عدد المشاركين أو حجم السلاح الذي ظهر في المشهد، بل في ما إذا كانت هذه التعبئة ستتحول إلى قدرة فعلية على الصمود والردع، وما إذا كانت ستؤثر في حسابات واشنطن وتل أبيب خلال المرحلة المقبلة.
إيران تستعرض القوة في الخارج، وتشدّ العصب في الداخل؛ وبين الرسالتين تحاول طهران أن تثبت أن الحرب لم تنتزع منها القدرة على المبادرة.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
