مضيق هرمز على صفيح ساخن..شرط طهران يؤجل إجتماع عُمان ويشلّ الملاحة العالمية!
# علي ضاحي–خاص takarir.net
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرّ بحري تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية، بل تحوّل إلى واحدة من أخطر أوراق الضغط في المواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن. ومع ربط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إعادة فتح المضيق بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها المرتبطة بما يُعرف بـ«مذكرة إسلام آباد»، بالتزامن مع تأجيل اجتماع صلالة الخاص بأمن الملاحة، تدخل الأزمة البحرية مرحلة أكثر تعقيداً، يصبح فيها أمن الممرات البحرية جزءاً من معركة سياسية واستراتيجية أوسع.
شرط طهران
المعادلة التي تطرحها طهران لا تقوم على فتح المضيق مقابل ترتيبات أمنية مؤقتة، بل على ربط حرية الملاحة بتفاهمات سياسية وأمنية أوسع. فالمسألة بالنسبة إلى إيران تتجاوز حركة السفن، لتلامس العقوبات والضمانات الأمنية والملف النووي وشكل التوازن الإقليمي، بما يجعل أي ترتيبات جزئية عاجزة عن معالجة جوهر الأزمة.
بهذا المعنى، يتحول هرمز من ورقة جغرافية إلى ورقة تفاوض. وكلما طال أمد الأزمة، ارتفعت كلفة محاولة فصل الأمن البحري عن الملفات السياسية التي تعتبرها طهران جزءاً واحداً من المواجهة.
تأجيل صلالة
في هذا السياق، يكتسب تأجيل اجتماع صلالة للملاحة دلالة تتجاوز مسألة تغيير موعد اجتماع. فالمنصة التي كان يفترض أن تبحث في أمن الملاحة تواجه واقعاً إقليمياً أكثر تعقيداً، حيث يصعب إنتاج تفاهم بحري مستقل عن الخلافات الكبرى التي تحيط بالخليج والعقوبات والطاقة والضمانات الأمنية.
ولا يعني التأجيل إغلاق الباب أمام الوساطة، لكنه يكشف حدودها. فعُمان تستطيع توفير قناة اتصال، وتقريب وجهات النظر، وتخفيف احتمالات الانفجار، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج تسوية إذا بقيت القضايا الأساسية خارج طاولة التفاوض.
دبلوماسية معلقة
المشهد الحالي يضع الدبلوماسية أمام اختبار حقيقي. فطهران تريد ربط أمن الملاحة بالتزامات واضحة، بينما تريد واشنطن الحفاظ على حرية الحركة البحرية من دون دفع ثمن سياسي كبير. وبين الموقفين، تصبح أي صيغة مؤقتة معرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وهنا تكمن أهمية صلالة. فالمطلوب ليس مجرد اتفاق على حماية السفن، بل صيغة قادرة على تخفيف التوتر وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف، وهو أمر يبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار التصعيد.
هزات الطاقة
أي اضطراب طويل في هرمز لا يبقى محصوراً في مياه الخليج. فالمضيق يمثل شرياناً رئيسياً لتدفقات النفط والغاز العالمية، وأي تقييد لحركة الناقلات ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد.
وتملك الأسواق بعض البدائل عبر خطوط الأنابيب والمسارات البرية وموانئ التصدير الأخرى، لكنها لا تستطيع بسهولة تعويض الحجم الهائل من التدفقات التي تمر عبر هرمز. لذلك لا تقاس قوة المضيق بعدد السفن التي تعبره فقط، بل بمدى اعتماد الاقتصاد العالمي على استمرار انسياب هذه الحركة.
ورقة الردع
تتعامل طهران مع هرمز بوصفه ورقة ردع استراتيجية قادرة على موازنة التفوق العسكري الأميركي في المنطقة. فامتلاك القدرة على التأثير في حركة الملاحة يمنح إيران وسيلة ضغط لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة كي تكون فاعلة.
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في الحسابات الأميركية. فالقوة البحرية تستطيع حماية سفن محددة ومرافقة بعض خطوط الملاحة، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة الأسباب السياسية التي تدفع إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط.
اختبار واشنطن
أمام واشنطن معادلة صعبة: الضغط العسكري قد يحمي جزءاً من حركة الملاحة، لكنه قد يوسّع المواجهة ويزيد المخاطر على الطاقة والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة. أما التفاوض، فيعني تقديم تنازلات أو ضمانات ترى طهران أنها ضرورية لإعادة فتح الطريق البحري.
وهكذا يصبح هرمز اختباراً للإدارة الأميركية بقدر ما هو اختبار لإيران. فالمعادلة لم تعد بين «مضيق مفتوح» و«مضيق مغلق»، بل بين كلفة المواجهة وكلفة التسوية.
عُمان والوساطة
في هذه المعادلة، تحتفظ عُمان بدور بالغ الحساسية. فمسقط تمتلك تقليدياً قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، وتستطيع توفير مساحة آمنة للتفاوض بعيداً عن الضجيج الإعلامي والتصعيد المباشر.
لكن نجاح الوساطة يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. وإذا بقيت الملاحة رهينة الملفات السياسية الكبرى، فإن أي تفاهم بحري مؤقت سيظل هشاً وقابلاً للانتكاس.
فراغ الملاحة
كل يوم يمر من دون تفاهم يزيد مساحة عدم اليقين في الأسواق وحركة السفن. شركات النقل والتأمين لا تبني قراراتها على ما إذا كان المضيق مفتوحاً نظرياً فقط، بل على مستوى المخاطر الفعلية وكلفة العبور واحتمالات التصعيد.
ومن هنا، فإن تأجيل المسار الدبلوماسي يخلق فراغاً لا تملؤه البيانات السياسية وحدها. فالملاحة تحتاج إلى ضمانات قابلة للتنفيذ، والأسواق تحتاج إلى وضوح، والدول المستوردة للطاقة تحتاج إلى يقين أكبر بشأن استمرار الإمدادات.
معادلة جديدة
الرسالة الإيرانية الأوسع هي أن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن أمن المنطقة. وطهران تحاول تثبيت معادلة مفادها أن ضمان انسياب الطاقة عبر هرمز يحتاج إلى معالجة الملفات التي تعتبرها جزءاً من أسباب الأزمة نفسها.
وبذلك، يصبح المضيق نقطة تقاطع بين الجغرافيا والاستراتيجية والاقتصاد والدبلوماسية. وكلما اتسعت الفجوة بين المطالب الإيرانية والموقف الأميركي، ازدادت قيمة هرمز كورقة ضغط، وارتفعت في المقابل كلفة تعطيل الملاحة على الاقتصاد العالمي.
الخلاصة
هرمز اليوم ليس مجرد مضيق ينتظر قراراً بالفتح أو الإغلاق، بل ساحة اختبار لموازين القوة في الخليج. وشرط طهران يعكس محاولة لتحويل السيطرة الجغرافية على واحد من أهم الممرات البحرية إلى نفوذ سياسي قابل للترجمة على طاولة التفاوض.
أما تأجيل اجتماع صلالة، فيؤكد أن الطريق إلى تهدئة الملاحة يمر عبر تسوية أوسع من الإجراءات التقنية والأمنية. وبينما تبحث الأسواق عن طريق آمن للطاقة، تبحث واشنطن عن مخرج لا يبدو تنازلاً، وتبحث طهران عن ضمانات تجعل فتح هرمز جزءاً من صفقة سياسية لا مجرد تنازل مجاني.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
