روسيا لم تنتصر.. وأوكرانيا لم تستسلم: ماذا بقي بعد أربع سنوات ونصف من الحرب؟
علي ضاحي – خاص takarir.net
في 24 شباط 2022 بدأت روسيا حربها الواسعة على أوكرانيا، في عملية كان يُفترض، وفق الحسابات الأولية، أن تحقق أهدافها خلال فترة قصيرة، قبل أن تتحول المواجهة تدريجياً إلى حرب استنزاف مفتوحة أعادت رسم التوازنات العسكرية والسياسية والاقتصادية في أوروبا والعالم. وبعد أربع سنوات ونصف من القتال، لم تعد الصورة قابلة للاختزال في رواية انتصار روسي أو صمود أوكراني يقود تلقائياً إلى الانتصار، إذ إن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى نتيجة أكثر تعقيداً؛ فروسيا لم تتمكن من إسقاط الدولة الأوكرانية أو إخضاعها، لكنها احتفظت بمساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها، فيما لم تتمكن أوكرانيا من استعادة كامل أراضيها المحتلة، ولم تنجح في تحويل الدعم الغربي الكبير إلى حسم عسكري يفرض شروطها على موسكو.
بهذا المعنى، دخلت الحرب عامها الخامس من دون نتيجة نهائية، بعدما انتقلت من محاولة روسية للحسم السريع إلى مواجهة طويلة تستنزف الطرفين وتستنزف معهما الموارد الاقتصادية والعسكرية والسياسية للدول الداعمة، فيما بقيت خطوط التماس متحركة في بعض المحاور وثابتة في محاور أخرى، واستمرت روسيا في الضغط العسكري والقصف بعيد المدى، بينما طورت أوكرانيا قدراتها على استخدام المسيّرات والصواريخ لضرب أهداف داخل العمق الروسي، في محاولة لرفع كلفة الحرب على موسكو وتعويض جانب من الفارق الكبير في الإمكانات التقليدية.
مكاسب معلّقة
بالنسبة إلى روسيا، فإن قراءة النتائج وفق الأهداف القصوى التي ارتبطت ببداية الحرب تقود إلى خلاصة واضحة مفادها أن موسكو لم تحقق الانتصار الذي كانت تسعى إليه، إذ لم تسقط كييف ولم تُسقط الحكومة الأوكرانية ولم تتمكن من فرض إخضاع سياسي وعسكري شامل على الدولة الأوكرانية، كما أن الحرب التي كان يُنظر إليها في بدايتها باعتبارها عملية قابلة للحسم السريع تحولت إلى واحدة من أطول الحروب الأوروبية في العصر الحديث.
غير أن عدم تحقيق الأهداف القصوى لا يعني هزيمة روسية، لأن موسكو ما زالت تسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية، بما فيها شبه جزيرة القرم ومناطق واسعة في الشرق والجنوب، كما حافظت على قدرة عسكرية وصناعية تسمح لها بمواصلة الحرب وتحمل مستوى مرتفع من الاستنزاف.
وفي الأول من أيلول/سبتمبر، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده تنتصر على أرض المعركة، وتحدث عن مكاسب روسية في دونيتسك، وهي تصريحات تعكس الموقف الرسمي لموسكو ولا تشكل وحدها دليلاً مستقلاً على حجم التقدم العسكري، إلا أنها تكشف تمسك الكرملين بقراءة الحرب باعتبارها مواجهة لا تزال روسيا قادرة على إدارتها وتحقيق مكاسب فيها.
كلفة روسية
لكن استمرار القدرة العسكرية لم يكن بلا ثمن، فقد تكبد الجيش الروسي خسائر بشرية وعسكرية ضخمة، فيما فرضت العقوبات الغربية والهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة والتكرير والنقل ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الروسي. وقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي الخسائر العسكرية الروسية بنحو 1.2 مليون عسكري حتى نهاية عام 2025، بينهم ما يصل إلى نحو 325 ألف قتيل، مع اختلاف التقديرات بين المصادر بشأن الأرقام الدقيقة.
وفي الوقت نفسه، اضطرت موسكو إلى إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو الصين والهند وأسواق آسيوية أخرى، وإعادة تنظيم اقتصادها بما يتناسب مع متطلبات الحرب والعقوبات، فيما تشير توقعات حكومية روسية نقلتها رويترز إلى خفض إنتاج النفط في عام 2026 إلى نحو 494.2 مليون طن، أي ما يقارب 9.88 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى سيكون الأدنى منذ عام 2009.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الضغوط في الحديث عن انهيار الاقتصاد الروسي، إذ تمكنت موسكو من إعادة ترتيب تجارتها وأسواقها وتمويل عملياتها العسكرية والحفاظ على إنتاج الأسلحة والذخائر، وهو ما يجعل الوصف الأدق للحالة الروسية أن الحرب استنزفت روسيا وأعادت تشكيل اقتصادها، لكنها لم تكسر قدرتها على الاستمرار أو فرض كلفة مرتفعة على الطرف الآخر.
صمود مكلف
أما أوكرانيا، فإن نتائج السنوات الأربع والنصف الماضية لا تسمح أيضاً بوصفها بالطرف المنتصر، على الرغم من أنها تمكنت من منع سقوط الدولة ورفضت الاستسلام للشروط الروسية، كما استعادت خلال مراحل مختلفة من الحرب مساحات كانت قد خسرتها في بدايتها.
لكن هذه النتائج لا تغير حقيقة أن الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الروسية لم تعد إلى كييف، وأن البنية التحتية الأوكرانية تعرضت لدمار واسع، وأن البلاد تكبدت خسائر بشرية واقتصادية وديموغرافية كبيرة، فيما أصبحت قدرتها على مواصلة الحرب مرتبطة بصورة وثيقة باستمرار الدعم العسكري والمالي الغربي.
وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين الصمود والانتصار، لأن عدم استسلام أوكرانيا لا يعني أنها حققت أهدافها العسكرية والسياسية، تماماً كما أن عدم تمكن روسيا من إخضاعها لا يعني أن موسكو خرجت من الحرب مهزومة. فقد بقيت أوكرانيا دولة مستقلة، لكن ثمن هذا البقاء كان مرتفعاً جداً، ولم يتحول الدعم الغربي الهائل إلى قدرة على استعادة جميع الأراضي المحتلة أو فرض تسوية سياسية على روسيا.
فاتورة الدمار
وتكشف فاتورة الدمار حجم هذه المعضلة بوضوح، إذ قدر التقييم المشترك للحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية، الصادر في شباط/فبراير 2026، الأضرار المباشرة التي لحقت بأوكرانيا بأكثر من 195 مليار دولار حتى نهاية عام 2025، بينما بلغت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي خلال السنوات العشر المقبلة نحو 588 مليار دولار.
وهذه الأرقام تعكس أن آثار الحرب لن تتوقف عند لحظة إطلاق النار، بل ستستمر لسنوات طويلة عبر إعادة بناء المدن والمساكن وشبكات الكهرباء والمياه والمواصلات والمصانع والمنشآت العامة التي تعرضت للدمار أو الضرر، فيما تبقى الكلفة البشرية والديموغرافية أكثر صعوبة في القياس والاستعادة.
أوروبا الجديدة
وفي المقابل، أحدثت الحرب تحولاً عميقاً في أوروبا نفسها، إذ جاءت إحدى أبرز نتائجها الاستراتيجية في الاتجاه المعاكس لما كانت موسكو تسعى إليه عندما اعتبرت توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً أحد مصادر التهديد الرئيسية لأمنها. فقد انضمت فنلندا إلى الناتو في نيسان/أبريل 2023، ثم لحقت بها السويد في آذار/مارس 2024، ليرتفع عدد أعضاء الحلف إلى 32 دولة، فيما رفعت الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي وأعادت بناء مخزوناتها العسكرية وخفضت اعتمادها على الطاقة الروسية.
غير أن ذلك لا يعني أن أوروبا خرجت من الحرب رابحة بالمعنى التقليدي، لأن القارة تحملت كلفة مالية واقتصادية وسياسية كبيرة، ووجدت نفسها أمام مواجهة أمنية طويلة الأمد مع روسيا، بالتوازي مع تقديم مساعدات ضخمة لأوكرانيا. وتقول المفوضية الأوروبية إن إجمالي الدعم الذي قدمه الاتحاد الأوروبي ودوله لأوكرانيا والأوكرانيين منذ بداية الحرب بلغ 220.2 مليار يورو، بينها 77 مليار يورو مساعدات عسكرية و107 مليارات ضمن موازنة الاتحاد.
حساب أميركي
أما الولايات المتحدة، فقد خرجت من الحرب بمكاسب استراتيجية مهمة تمثلت في تعزيز تماسك الناتو وزيادة الاعتماد الأوروبي على السلاح الأميركي وإضعاف العلاقات الروسية الأوروبية التي كانت قائمة قبل عام 2022، لكنها في الوقت نفسه وجدت نفسها أمام حرب طويلة ومكلفة استنزفت جزءاً من الموارد والمخزونات العسكرية وفرضت عليها إعادة النظر في أولوياتها.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت واشنطن تتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة، تقوم على تقليل الكلفة الأميركية وتحميل أوروبا مسؤولية أكبر في دعم أوكرانيا، بالتوازي مع محاولة الوصول إلى اتفاق ينهي القتال. وفي الرابع من أيلول/سبتمبر 2026، أعلن ترامب أن مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يتحركان في اتجاه روسيا وأوكرانيا لدفع مقترح جديد للسلام، فيما أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن المبعوثين سيتوجهان إلى كييف بعد موسكو.
مفارقة الناتو
ولا تزال توسعة الناتو واحدة من أبرز مفارقات الحرب، إذ دخلت روسيا المواجهة وهي تعتبر تمدد الحلف باتجاه حدودها أحد مصادر الخطر الأساسية، لكنها وجدت نفسها بعد عامين أمام حلف أكثر اتساعاً في شمال أوروبا، بعدما أصبحت فنلندا والسويد عضوين كاملين فيه، وتحولت الحدود الروسية مع الناتو إلى جبهة أطول وأكثر حساسية.
وبذلك لم تتمكن موسكو من منع توسع الحلف، بل ساهمت الحرب نفسها في تسريعه، فيما عززت دول أوروبا الشرقية قدراتها العسكرية ورفعت جاهزيتها الدفاعية، لتصبح البيئة الأمنية الأوروبية أكثر عسكرة مما كانت عليه قبل شباط/فبراير 2022.
حرب متحولة
وفي الميدان، تغيرت طبيعة الحرب نفسها بعدما تحولت المسيّرات والحرب الإلكترونية والاستطلاع الفضائي والصواريخ بعيدة المدى إلى أدوات رئيسية في القتال، وأصبح العمق الجغرافي للطرفين جزءاً من ساحة المعركة. فقد تمكنت أوكرانيا من تطوير قدرات لضرب منشآت نفطية ومطارات ومواقع لوجستية داخل روسيا، بينما كثفت موسكو استخدام المسيّرات والصواريخ والقنابل الجوية ضد المدن والبنية التحتية والطاقة الأوكرانية.
وأصبح الاقتصاد نفسه جزءاً من ساحة المعركة، مع استهداف المصافي والموانئ وخطوط السكك الحديدية ومستودعات الوقود والمصانع ومحطات الطاقة، بحيث لم تعد الجبهة محصورة بخطوط التماس، بل امتدت مئات الكيلومترات خلفها، وتحولت القدرة على إنتاج السلاح والطاقة ونقلها وحمايتها إلى جزء أساسي من ميزان الحرب.
ثمن المدنيين
وفي قلب هذا الصراع بقي المدنيون الطرف الأكثر دفعاً للثمن، إذ استمرت الهجمات على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، بالتزامن مع ضربات أوكرانية داخل الأراضي الروسية، فيما سجلت الأمم المتحدة في شباط/فبراير 2026 مقتل 188 مدنياً وإصابة 757 آخرين نتيجة العنف المرتبط بالحرب، في حصيلة ارتفعت بنسبة 31 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025.
ومع نهاية آب/أغسطس وبداية أيلول/سبتمبر استمرت موجات التصعيد، وصولاً إلى إصابة 12 شخصاً في هجوم بطائرة مسيّرة روسية استهدف مقر جهاز الأمن الأوكراني في وسط كييف في الرابع من أيلول/سبتمبر، في وقت كانت فيه واشنطن تعلن في اليوم نفسه عن تحرك جديد لإحياء المسار التفاوضي.
ضغط داخلي
كما بدأت آثار الحرب الطويلة تظهر بصورة أكبر داخل المؤسسات الأوكرانية نفسها، إذ وقع في الثالث من أيلول/سبتمبر اشتباك مسلح بين عناصر من جهاز الأمن الأوكراني والاستخبارات العسكرية في كييف، وأعلن زيلينسكي فتح تحقيق في الحادث.
ولا يكفي هذا التطور للقول إن الدولة الأوكرانية تتجه نحو الانهيار، لكنه يكشف حجم الضغط الذي باتت تفرضه سنوات الحرب على المؤسسات الأمنية والسياسية، بالتوازي مع الضغوط العسكرية والاقتصادية والديموغرافية التي تواجهها البلاد.
سلام مشروط
ومن هنا تبدو عودة التفاوض أكثر ارتباطاً بتوازنات الحرب نفسها من كونها تحولاً مفاجئاً في مواقف الأطراف، فروسيا تريد أن تدخل أي تسوية وهي محتفظة بمكاسبها الإقليمية وقادرة على تحويل السيطرة العسكرية إلى اعتراف سياسي، بينما تريد أوكرانيا وقف الحرب من دون أن تتحول التسوية إلى اعتراف رسمي بهزيمتها أو تنازل دائم عن الأراضي التي تعتبرها جزءاً من سيادتها، في حين تبحث واشنطن عن اتفاق ينهي القتال ويخفف الكلفة الأميركية، وتريد أوروبا ضمانات أمنية تمنع تحول أي وقف لإطلاق النار إلى مجرد هدنة تسبق جولة جديدة من الحرب.
حصيلة معلقة
بعد أربع سنوات ونصف، يصعب اختزال الحرب بكلمة «انتصار». روسيا حققت مكاسب إقليمية ملموسة واحتفظت بقدرة عسكرية كبيرة، لكنها لم تحقق أهدافها القصوى ولم تتمكن من إخضاع أوكرانيا. وأوكرانيا لم تستسلم، وحافظت على دولتها ومؤسساتها، لكنها لم تستعد الأراضي التي خسرتها وتكبدت خسائر هائلة في البشر والبنية التحتية والاقتصاد، وأصبحت أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي.
أما أوروبا فقد أصبحت أكثر تسلحاً وأقل اعتماداً على موسكو، لكنها تحملت كلفة استراتيجية واقتصادية ضخمة، فيما عززت الولايات المتحدة نفوذها داخل المنظومة الغربية قبل أن تبدأ في البحث عن صيغة تخفف انخراطها المباشر في الحرب.
ميزان التسوية
لهذا فإن عنوان المرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة انتصار طرف على آخر، بل قدرة كل طرف على تحويل ما تبقى لديه من قوة إلى شروط سياسية قابلة للفرض على طاولة التفاوض. فروسيا تريد تحويل مكاسبها الميدانية إلى مكاسب سياسية، وأوكرانيا تريد تحويل قدرتها على مواصلة القتال إلى ضمانات تمنع فرض تسوية تعتبرها هزيمة، وأوروبا تريد إنهاء الحرب من دون عودة روسيا إلى تهديد حدودها، بينما تسعى واشنطن إلى اتفاق ينهي واحدة من أكثر الأزمات استنزافاً للسياسة الغربية منذ نهاية الحرب الباردة.
وبذلك، فإن أربع سنوات ونصف من الحرب لم تنتج انتصاراً روسياً حاسماً ولا انتصاراً أوكرانياً، لكنها أنتجت واقعاً جديداً دفع الجميع إلى إعادة حساباتهم؛ روسيا خرجت أكثر عسكرة وأشد ارتباطاً بآسيا، وأوكرانيا خرجت أكثر إنهاكاً واعتماداً على الغرب، وأوروبا أعادت بناء عقيدتها الدفاعية، والناتو توسع، والولايات المتحدة بدأت تبحث عن مخرج سياسي.
وفي هذا المشهد، قد تكون المعركة الأكثر حسماً هي تلك التي ستجري خارج خطوط الجبهة، عندما تبدأ الأطراف في تحويل ميزان القوة الذي صنعته أربع سنوات ونصف من الحرب إلى ميزان سياسي جديد يرسم شكل السلام المقبل وحدود ما يمكن لكل طرف أن يدّعي أنه حققه أو يمنع خصمه من اعتباره هزيمة.
موقع تقارير موقع تقارير


