لبنان يحترق معيشياً والدولة تكويه بالضرائب..هل بات البلد الأغلى عربياً وعالمياً؟
علي ضاحي خاص takarir.net
من رواتب فقدت قيمتها إلى محروقات تشعل فاتورة الكهرباء والنقل والغذاء… اللبناني يدفع كلفة الانهيار مرتين: مرة من دخله ومرة من الضرائب والرسوم
ولم يعد الغلاء في لبنان مجرد ارتفاع موسمي في أسعار بعض السلع، ولا أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها بزيادة محدودة على الراتب، بل تحول إلى منظومة معيشية كاملة تضغط على اللبناني من كل الجهات، من الإيجار والغذاء والنقل إلى الكهرباء والمحروقات والتعليم والاستشفاء، فيما تتحرك الدولة في الاتجاه المعاكس عبر توسيع الإيرادات والضرائب والرسوم من دون أن تكون قد أعادت بناء الاقتصاد أو أصلحت الخدمات التي يدفع المواطن كلفتها من جيبه.
ولذلك فإن السؤال عن موقع لبنان بين البلدان الأغلى لا يمكن أن يُطرح من خلال أسعار السلع وحدها، لأن هناك دولاً عربية وأوروبية تتجاوز لبنان في أسعار السكن أو الخدمات أو المطاعم. لكن الصورة تصبح أكثر قسوة عندما توضع الأسعار في مواجهة الرواتب والقدرة الشرائية، وعندما يُسأل المواطن عن النسبة التي تبتلعها الضروريات من دخله الشهري.
وهنا تحديداً تبدو الأزمة اللبنانية مختلفة: ليست كل الأسعار في لبنان هي الأعلى، لكن قدرة الراتب اللبناني على تحملها من الأضعف.
راتب القطاع العام بلا قيمة
يكفي النظر إلى رواتب موظفي الدولة لفهم حجم التشوه الذي أصاب سوق العمل.
فصندوق النقد الدولي أشار في تقريره الصادر عام 2026 إلى أن الحد الأدنى الرسمي للأجر في القطاع العام لا يزال عند 675 ألف ليرة شهرياً، أي نحو 7.50 دولارات وفق سعر الصرف الذي اعتمده التقرير، فيما بقي سلم الرواتب الأساسي مرتبطاً بمستويات ما قبل الأزمة. وقد لجأت الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى بدلات ومساعدات وزيادات لمعالجة جزء من الانهيار، لكن هذه الإجراءات لم تمحُ الفجوة التي أحدثها انهيار الليرة.
أما في القطاع الخاص، فقد أصبح الحد الأدنى للأجر 28 مليون ليرة شهرياً منذ آب 2025، وهو ما يعادل نحو 285 دولاراً وفق احتساب صندوق النقد الدولي.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الراتب اللبناني تحسن رقمياً بالليرة، لكنه لا يزال يصطدم بكلفة حياة أعيد تسعير أجزاء واسعة منها على أساس الدولار.
التضخم لم ينتهِ
قد يقول البعض إن سعر الصرف أكثر استقراراً، وإن مرحلة الانهيارات اليومية انتهت، لكن استقرار سعر الصرف لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
فبيانات إدارة الإحصاء المركزي تظهر أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع 15.69% على أساس سنوي في تموز 2026، رغم تراجع المؤشر بنسبة 0.03% مقارنة بشهر حزيران. كما بلغ متوسط التضخم السنوي في الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 16.09%.
وهذا يعني أن المواطن لا يعيش فقط آثار التضخم السابق، بل يواجه أيضاً زيادات جديدة فوق أسعار سبق أن تضاعفت مرات عدة منذ بداية الأزمة.
فالمشكلة ليست أن الأسعار ترتفع اليوم بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها في ذروة الانهيار، بل أن الأسعار التي استقرّت عليها السوق أصبحت أصلاً مرتفعة جداً مقارنة بالدخل.
أيلول يعيد إشعال فاتورة المولد
وفي هذا المشهد، جاءت فاتورة الكهرباء في بداية أيلول لتقدم نموذجاً صارخاً عن كيفية انتقال ارتفاع المحروقات إلى كل تفاصيل الحياة.
فوزارة الطاقة والمياه حددت تعرفة المولدات الخاصة لشهر آب عند 48,241 ليرة للكيلواط/ساعة في المدن والمناطق المكتظة، بزيادة تقارب 19% عن التعرفة السابقة، وهي أعلى بنحو 60% من السعر الذي كان معتمداً في شباط، عندما بلغت التعرفة 30,244 ليرة للكيلواط/ساعة.
ولم تكن الزيادة في الكيلواط وحدها، إذ احتُسبت التعرفة على أساس سعر للمازوت بلغ نحو 2.415 مليون ليرة للصفيحة، مقارنة بنحو 2.0 مليون ليرة تقريباً في الشهر السابق، وفق المعطيات التي أوردتها وزارة الطاقة في احتسابها.
وبالنسبة إلى عائلة تستهلك الكهرباء بكثافة خلال الصيف بسبب أجهزة التكييف، لا تعني هذه الأرقام مجرد زيادة تقنية في سعر الكيلواط، بل تعني أن فاتورة شهرية قد تقفز بمئات آلاف الليرات أو أكثر، بحسب الاستهلاك، فوق كلفة الاشتراك الثابت.
وهكذا يدخل اللبناني أيلول أمام فاتورة كهرباء جديدة تلتهم جزءاً إضافياً من راتبه.
المازوت لا يرفع فاتورة المولد فقط
المصيبة أن أثر المحروقات لا يتوقف عند المولد.
فالمازوت يدخل في النقل، وفي تشغيل المولدات، وفي المصانع والمحال والمستودعات، وفي تبريد الأغذية ونقلها وتوزيعها، ولذلك فإن أي ارتفاع في سعره ينتقل تدريجياً إلى مجموعة واسعة من السلع والخدمات.
ولهذا فإن ارتفاع المازوت يشبه ضريبة غير مباشرة تصيب الجميع، حتى من لا يملك سيارة أو مولداً، لأن السلعة التي تصل إلى متجره قد دفعت كلفة النقل، والتخزين، والتبريد، والطاقة قبل أن تصل إلى رف المتجر.
ومن هنا تصبح فاتورة المحروقات فاتورة على الاقتصاد كله.
الدولة تجمع أكثر… فهل تعطي أكثر؟
في الجانب الآخر من المعادلة، تحاول الدولة اللبنانية استعادة إيراداتها بعد سنوات الانهيار المالي، وهذا أمر لا يمكن تجاهله، لكن المشكلة أن توسيع الضرائب والرسوم في اقتصاد لم يستعد بعد قدرته الإنتاجية يمكن أن يتحول إلى ضغط إضافي على المواطن والمؤسسات.
فاللبناني يدفع ضريبة على الاستهلاك، ورسوم تسجيل ومعاملات، ورسوم جمركية ضمن أسعار السلع المستوردة، وأعباء مرتبطة بالوقود والطاقة، ثم يدفع من ماله الخاص للحصول على خدمات أساسية لا تزال الدولة عاجزة عن توفيرها بصورة مستقرة.
وهنا تصبح المعادلة شديدة القسوة: المواطن يدفع للدولة لكي تقدم الخدمة، ثم يدفع مرة أخرى عندما لا تصله الخدمة.
الكهرباء هي المثال الأكثر وضوحاً؛ إذ يدفع اللبناني للدولة، ثم للمولد، ثم يتحمل كلفة المازوت، وقد يضطر فوق ذلك إلى الاستثمار في بطاريات أو طاقة شمسية أو حلول أخرى لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار.
لبنان ليس الأغلى سعراً
عند هذه النقطة، يجب الابتعاد عن المبالغة.
لا تظهر المؤشرات الدولية أن لبنان هو البلد الأغلى عربياً أو عالمياً في أسعار كل السلع والخدمات، بل توجد دول ومدن عربية وعالمية أعلى منه في كلفة المعيشة المطلقة.
لكن هذا لا يعني أن وضع اللبناني أفضل.
فالمؤشر الأكثر أهمية هو القدرة الشرائية، أي ماذا يستطيع المواطن أن يشتري بدخله بعد دفع النفقات الأساسية.
وهنا تصبح الصورة مختلفة جذرياً، إذ يظهر لبنان عند مستويات منخفضة جداً مقارنة بعدد من الاقتصادات الخليجية، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين مستوى الأسعار والدخل.
بمعنى آخر، قد تكون فاتورة الكهرباء أو الإيجار أو الغذاء أعلى في بلد آخر، لكن العامل هناك قد يتقاضى راتباً أعلى بكثير ويستفيد من خدمات عامة أكثر انتظاماً.
أما في لبنان، فإن الراتب المنخفض يواجه أسعاراً مرتفعة، فيما يتحمل المواطن أيضاً كلفة خدمات يفترض أن تكون جزءاً من مسؤولية الدولة.
الخليج وأوروبا: المقارنة والخلل
المقارنة مع الخليج لا تعني القول إن الحياة هناك رخيصة، بل العكس؛ فالإيجارات في بعض المدن الخليجية مرتفعة جداً، وكذلك بعض الخدمات.
لكن الفارق أن مستوى الأجور في قطاعات واسعة، وخصوصاً الوظائف المتخصصة، أعلى بكثير من لبنان، ولذلك فإن العامل لا ينفق النسبة نفسها من دخله لتأمين احتياجاته.
والأمر نفسه ينطبق بصورة عامة على أوروبا، حيث يمكن أن تكون كلفة السكن مرتفعة جداً في مدن مثل لندن وباريس ودبلن وزيوريخ، لكن الأجور والخدمات العامة وأنظمة الحماية الاجتماعية تغيّر المعادلة.
وهذا هو الخطأ الذي تقع فيه المقارنة السطحية: أن نقارن سعر السلعة وننسى الراتب الذي سيدفع ثمنها.
اللبناني يدفع كلفة الدولة والسوق
في معظم الاقتصادات، يدفع المواطن الضرائب مقابل خدمات عامة، فيما يتحمل السوق الجزء الآخر من كلفة الحياة.
أما في لبنان، فقد أصبح المواطن في كثير من الحالات يدفع الاثنين معاً.
يدفع الضرائب والرسوم للدولة، ثم يدفع للكهرباء الخاصة.
يدفع كلفة الوقود، ثم يدفع الزيادة التي أحدثها الوقود في سعر الغذاء.
يدفع كلفة النقل، ثم يدفع كلفة نقل السلعة الموجودة في منزله.
يدفع للمدرسة، وللاستشفاء، وللاتصالات، ولخدمات كان يفترض أن يكون جزء منها أقل كلفة بفضل وجود دولة فاعلة ومؤسسات منتجة.
وهكذا لم تعد المشكلة مجرد «غلاء معيشة»، بل أصبحت غلاء دولة وغلاء سوق في آن واحد.
انهيار الطبقة الوسطى
الأكثر خطورة أن هذا الواقع لا يصيب الفئات الأكثر فقراً وحدها، بل يضغط على الطبقة الوسطى التي كانت تاريخياً صمام الأمان الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.
الموظف الذي كان يستطيع أن يعيش من راتبه أصبح مضطراً إلى عمل إضافي، أو إلى الاعتماد على دخل ثانٍ داخل الأسرة، أو على تحويلات من الخارج، أو على مدخرات بالدولار.
ومع كل زيادة في فاتورة أساسية، تتراجع مساحة الإنفاق على الثقافة والترفيه والسفر وحتى الادخار، ثم تبدأ الأسرة بتقليص التعليم والصحة والسكن، وهي مؤشرات لا تظهر كلها في أرقام التضخم لكنها تكشف الانخفاض الحقيقي في مستوى الحياة.
«لبنان الأكثر إنهاكاً»
إذاً، لا تقول الأرقام إن لبنان هو الأغلى عربياً وعالمياً في الأسعار المطلقة، ولا يجوز تحويل هذه الفكرة إلى حقيقة إحصائية غير موجودة.
لكن الأرقام تقول شيئاً ربما يكون أخطر: لبنان بلد ترتفع فيه كلفة الحياة بسرعة تفوق قدرة جزء كبير من المواطنين على تحملها، فيما تبقى القدرة الشرائية للأجور ضعيفة، وتستمر الدولة في استيفاء الضرائب والرسوم، من دون أن تتمكن بعد من إعادة بناء منظومة الخدمات العامة التي تبرر هذا العبء.
ومن هنا يمكن فهم معنى احتراق لبنان معيشياً.
فالمازوت يرفع فاتورة المولد، والمولد يرفع كلفة الكهرباء، والكهرباء ترفع كلفة الإنتاج والخدمات، والمحروقات ترفع النقل، والنقل يرفع الغذاء، والضرائب والرسوم تقتطع جزءاً آخر من الدخل، فيما يبقى الراتب في سباق دائم مع هذه الزيادات.
لبنان ليس الأغلى في العالم وفق جدول الأسعار، لكنه أصبح بلداً يدفع فيه المواطن ثمناً باهظاً مقابل قدرته المحدودة على الدفع.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن تتوقف عندها الدولة: المشكلة لم تعد في أن اللبناني يريد حياة رخيصة، بل في أنه يريد فقط أن يستطيع أن يعيش من عمله، لا أن يعمل لكي يدفع ثمن الحياة ثم يبدأ من الصفر في أول كل شهر.
وفي مطلع أيلول، حين تصل تعرفة المولد إلى 48,241 ليرة للكيلواط/ساعة، ويصبح المازوت محركاً جديداً للأسعار، بينما لا يزال التضخم السنوي عند 15.69%، فإن الحديث عن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يكتمل من دون الحديث أولاً عن راتب قادر على مواجهة الحياة، ودولة قادرة على تقديم الخدمة قبل أن تطلب من المواطن دفع ثمنها.
موقع تقارير موقع تقارير

