بين هرمز وباب المندب… هل دخل الشرق الأوسط مرحلة كسر التوازن؟
بقلم: علي ضاحي
لم يعد التصعيد في الشرق الأوسط يقتصر على تبادل الضربات العسكرية أو التهديدات الإعلامية، بل بات يمسّ الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. وإذا صحّ أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب أنهت التفاهم الذي كان يحدّ من مستوى الاشتباك مع إيران، فإن المنطقة تكون قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها سقوط قواعد الاحتواء والانتقال إلى سياسة فرض الوقائع بالقوة.
إن انهيار أي تفاهم، مهما كان محدودًا، لا يعني مجرد تعثر المسار الدبلوماسي، بل يفتح الباب أمام إعادة رسم قواعد الاشتباك. وفي المقابل، تدرك إيران أن أوراقها لا تقتصر على حدودها الجغرافية، بل تمتد عبر شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في أكثر من ساحة.
السيناريو الأخطر يتمثل في اتساع دائرة المواجهة لتشمل البحر الأحمر والخليج العربي في آن واحد. فإذا دخل الحوثيون مواجهة مباشرة مع السعودية، وترافق ذلك مع تعطيل الملاحة في باب المندب، بينما يبقى مضيق هرمز تحت تهديد دائم، فإن العالم سيكون أمام أزمة غير مسبوقة منذ عقود.
هرمز ليس مجرد مضيق بحري، بل هو المعبر الأساسي لصادرات النفط الخليجية، فيما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للتجارة العالمية نحو قناة السويس والبحر المتوسط. وإغلاق هذين الممرين، أو حتى تعريضهما لاضطرابات مستمرة، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وقفزات كبيرة في تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي سينعكس على الأسواق من آسيا إلى أوروبا وأمريكا.
أما السعودية، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيف التوترات الإقليمية والتركيز على مشاريعها الاقتصادية الكبرى، فإن انزلاقها إلى حرب مباشرة سيضعها أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقدة. وفي الوقت نفسه، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى تعزيز وجودها العسكري لحماية الملاحة الدولية، بينما ستسعى القوى الأوروبية والآسيوية إلى منع تحول الأزمة إلى مواجهة مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي.
لكن ما يجري يتجاوز الحسابات العسكرية. فالرسالة الأساسية في هذا التصعيد هي أن الصراع لم يعد يدور فقط حول النفوذ أو البرنامج النووي الإيراني، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم بمفاتيح الاقتصاد العالمي. لذلك أصبحت المضائق البحرية جزءًا من معادلة الردع، وأداة ضغط لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات.
ورغم خطورة المشهد، فإن احتمال اندلاع حرب عالمية شاملة لا يزال محدودًا. فجميع القوى الكبرى تدرك أن كلفة المواجهة المباشرة ستكون باهظة على الجميع، وهو ما يجعلها تميل إلى إدارة الصراع أكثر من الذهاب إلى حسمه. إلا أن ذلك لا يمنع من أن المنطقة قد تشهد مرحلة طويلة من التصعيد المتدرج، تتخللها ضربات متبادلة، وضغوط اقتصادية، ومواجهات بالوكالة، مع بقاء خطر الانفجار الكبير قائمًا إذا وقع خطأ في الحسابات.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى الدولية والإقليمية في إعادة إنتاج توازن جديد يمنع الانفجار الشامل، وإما أن يتحول الخليج والبحر الأحمر إلى ساحتين مفتوحتين للصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات لن تقتصر على المنطقة، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
في هذه اللحظة، لم يعد السؤال: من سيربح الحرب؟ بل أصبح: هل يستطيع العالم تحمل كلفة استمرارها؟
موقع تقارير موقع تقارير