سرّ الأمر: حين أنقذ الصمتُ الإمامة
خاص موقع takarir.net وورشة السهروردي
لم تكن لحظة استشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام حدثًا عاديًا في تاريخ الإسلام، بل كانت واحدة من أخطر المنعطفات المصيرية في تاريخ الإمامة الشيعية. ففي تلك اللحظة، لم يكن الخطر كامناً في غياب الإمام فحسب، بل في السؤال الذي تلا الاستشهاد مباشرة: من الإمام بعده؟
سؤالٌ بدا دينيًا في ظاهره، لكنه كان سياسيًا وأمنيًا بامتياز.
زمن الخطر
جاء استشهاد الإمام الصادق عليه السلام عام 148 هـ في ظل حكم عباسي شديد القسوة، أدرك باكراً أن مدرسة الإمام لم تعد مدرسة فقهية فقط، بل أصبحت مشروع وعيٍ يهدد شرعية السلطة. كان المنصور العباسي يعلم أن استمرار خط الإمامة يعني استمرار التحدي، ولذلك اتخذ قراره مسبقًا: الإمام التالي يجب أن يُعرف… ليُقتل.
حيرة الناس
بعد الاستشهاد، سادت حالة من الارتباك غير المسبوق بين أتباع أهل البيت. انقسم الناس بين من قال بإمامة عبد الله الأفطح، ومن توقّف متحيّرًا، ومن أخفى اعتقاده خوفًا، ومن كان يعرف الحقيقة كاملة… لكنه آثر الصمت.
هذه الحيرة لم تكن فراغًا عقائديًا، بل نتيجة مباشرة لسياسة تقيّة واعية فرضتها الظروف القاسية.
الوصية المموّهة
لم يُعلن الإمام الصادق عليه السلام اسم الإمام الذي يليه إعلانًا صريحًا، بل لجأ إلى وصية مركّبة موزّعة على أكثر من شخص، في خطوة ذكية هدفت إلى تضليل السلطة وحماية الإمام الحقيقي. لم يكن ذلك غموضًا، بل تمويهًا استراتيجيًا أنقذ الإمامة من القطع النهائي.
الإمام المستور
كان الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام الإمام الحق في تلك المرحلة، لكنه كان مستهدفًا مباشرة. إعلان اسمه يعني تسليمه إلى السجن أو القتل خلال أيام. لذلك دخلت الإمامة مرحلة الاستتار، لا غيابًا، بل حفاظًا.
كان الإمام حاضرًا، يُدير، يُوجّه، ويُربّي، لكن من خلف ستار الحكمة والصبر.
زرارة الصامت
في قلب هذا المشهد يقف زرارة بن أعين، أحد أعظم فقهاء الشيعة وأوثق أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. كان زرارة يعرف الإمام الحق، لكنه تعمّد إظهار التوقّف والحيرة، لا جهلًا، بل حمايةً.
تحمّل الاتهام، وقَبِل الشك في نظر الناس، لأن كلمة واحدة منه كانت كفيلة بكشف الإمام وتسليمه للسلطة. بهذا الصمت، تحوّل زرارة من راوٍ للحديث إلى حارس للإمامة.
التقيّة الواعية
في الفكر الإمامي، لم تكن التقيّة ضعفًا ولا تراجعًا، بل فقه بقاء. حين يكون الإعلان مدمرًا، يصبح الصمت عبادة، وحين تكون الحقيقة مهددة، يصبح كتمانها واجبًا.
في تلك المرحلة، كان حفظ الإمام مقدّمًا على إعلان اسمه، وكانت سلامة الخط أولى من وضوح المشهد.
المشهد الفني
تجسّد لوحة «سرّ الأمر» هذه اللحظة بكثافة رمزية عالية. الإمام على فراش المرض ليس مشهد نهاية، بل مشهد تسليم أمانة. الوجوه المحيطة تعكس الحيرة والخوف والترقّب، بينما يبرز الصامت المتأمّل، الذي يعرف ولا يقول.
الإضاءة الخافتة لا تُنير الجميع، بل تُلمّح… كأن الحقيقة تُرى ولا تُنطق.
معنى العنوان
«الأمر» في الثقافة الإمامية ليس حادثة، بل الإمامة نفسها. و«سرّ الأمر» يعني أن الإمامة كانت قائمة، محفوظة، حيّة، لكنها مستورة في صدور قلة من الأمناء، بانتظار اللحظة المناسبة للظهور.
العنوان هنا ليس توصيفًا فنيًا، بل مفتاح قراءة عقائدية كاملة.
خاتمة المعنى
هذه اللوحة لا تروي قصة موت إمام، بل قصة نجاة خط كامل من الإبادة. لا تمجّد البكاء، بل تمجّد الصمت الواعي. وتكشف أن الحيرة لم تكن ضعفًا، بل كانت درعًا.
إنها شهادة على زمنٍ كان فيه الصمت جهادًا، والكتمان أمانة، وحفظ السر أعظم أشكال الإيمان.
موقع تقارير موقع تقارير