الشيخ نديم الجسر
الشيخ نديم الجسر

الشيخ نديم الجسر..علاّمة الفلسفة والدين المتنور والثائر

الشيخ نديم الجسر..علاّمة الفلسفة والدين المتنور والثائر

خاص takarir.net

ثمانية عقود عاشها العلامة والفيلسوف والشيخ الطرابلسي نديم الجسر قضاها بين الفكر والفلسفة والدين المتنور، عاش ثائراً وكان وطنياً ومقارعاً للاحتلال التركي ومن ثم الاستعمار الفرنسي وترك بصمة مميزة في صنوف الأدب والفلسفة ومؤلفات تضج بالحياة حتى يومنا هذا.

سيرته
الشيخ نديم حسين الجسر (1897 – 1980)، رجل دين وسياسي لبناني، متقد الفكر، منفتحاً، وذا نفس ثائرة، مؤمنا بالله مدبر الكون، مسلماً له، داعياً إلى عبادته بالعقل والقلب، وقد ترك للمكتبة العربية آثاراً مهمة للدارسين والمؤمنين.
وهو نديم بن حسين بن محمد بن مصطفى الجسر. ولد بطرابلس عام 1897 لأسرة مصرية الأصل. تلقى علومه الأولى على يد والده الشيخ حسين الجسر الذي كان عالماً مؤسساً للمدرسة الوطنية، ومحرراً في جريدة طرابلس، ثم كفله شقيقه الشيخ محمد الجسر الذي كان نائباً عن المدينة.
وكان يعتبر من ابرز رجال السياسة في طرابلس. انهي دراسته في حمص ثم أكملها في بيروت وبعدها التحق بالعمل في سلك القضاء. استدعي إلى الخدمة العسكرية الإجبارية، في الجيش العثماني عام 1916، وخدم في الحجاز والسويس حيث وقع أسيراً بيد القوات الإنجليزية التي سجنته في القاهرة ولم يخرج إلا بعد وساطة من الشريف حسين.
عاد إلى طرابلس وعمل كاتباً في سراي المدينة، عام 1922 عينه المفوض السامي كاتباً في المحكمة، ثم رقي إلى رئيس قلم، إلى أن عين قاضياً ثم مدعياً عاماً ثم قائم مقاماً لقضاء عكار عام 1931.

الطريقة الخلوتية الصوفية

اشتهرت أسرة الجسر أول ما اشتهرت على يد الشيخ محمد (جدّ الشيخ نديم) والملقب (أبو الأحوال) والذي كان شيخاً للطريقة الخلوتية الصوفية في سائر البلاد الشامية.. وقد توفي في مدينة اللد من فلسطين، وله فيها مزار معروف. أما والد الشيخ نديم فهو الشيخ حسين الجسر صاحب كتابي: “الرسالة الحميدية” و “الحصون الحميدية” والذي اشتهر كأحد مفكري القرن التاسع عشر، غير أنه رفض اقتراح السلطان عبد الحميد عليه بقبول منصب “شيخ الاسلام” وآثر الوقوف على الحياد بين السلطان وخصومه من العلماء في تلك الفترة، وفي طليعتهم العلامة جمال الدين الأفغاني الذي أطلق عليه لقب: (أشعري هذا الزمان) بعد أن وصلته نسخة من الرسالة الحميدية.. هذا الكتاب الذي سيكون له أبلغ الأثر في ثقافة الشيخ نديم ونهجه الفكري والديني فيما بعد.
عندما توفي الشيخ حسين عام 1909م. كان ابنه نديم لا يزال في مدينة حمص من سورية يتلقى دراسته وتحصيله العلمي في القسم الداخلي من مدرسة “حمص العلمية الأدبية” التي كان يديرها الشيخ علي النملي الطرابلسي، وصديق شقيقه الأكبر الشيخ محمد. حتى إذا نال منها الشهادة الثانوية بتفوق في العام1911 م، عاد إلى طرابلس مدرِّساً في مدرسة “النموذج للبنين” ولمدة خمس سنوات تقريباً..

مفتي طرابلس
وبعد وفاة أخيه الشيخ محمد الذي ترشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية، استقال الشيخ نديم وتعمم جرياً على التقليد العائلي وحفاظاً على مركز العائلة الديني وتمسكها بدورها القيادي في المدينة. انصرف إلى التدريس في جامع طينال والتحرير في جريدة طرابلس والعمل الخيري. ثم ترشح للانتخابات منافساً لعبد الحميد كرامي، وفشل، إلا ان العلاقة عادت وتوطدت بينه وبين رشيد كرامي فدخلا معاً مجلس النواب اللبناني فائزين عن المدينة عام 1957. وعلى اثر وفاة مفتي طرابلس الشيخ كاظم ميقاتي، انتخب الشيخ نديم مفتياً للمدينة.
توفي عام 1980 ودفن في طرابلس.

نشاطاته
تولى عدة مناصب منها:
مستشار بمحكمة الاستئناف.
عضو بمجلس العدل والقضاء الشرعي، وبه قام بتنظيم دائرة الأوقاف الإسلامية.
انتخب عام 1957 نائباً عن مدينة طرابلس بمجلس النواب اللبناني.
انتخب مفتياً لشمال لبنان، وعضواً في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر.
كما أن له العديد من المؤلفات المتنوعة ما بين المخطوطات والكتب.

مؤلفاته
وضع الشيخ نديم الجسر مؤلفات متنوعة ما زال المخطوط منها كثيراً: حديث ليلة (مخطوطة كتبها عام 1926)، وهي قصة تصف عسف الجنود الأتراك وظلمهم للرعية إبان الحرب العالمية الأولى. شرح قانون الجزاء ـ الموجز في الفلسفة العربية ـ قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن ـ فلسفة الحرية في الإسلام ـ أرجوزة في علم المواريث ـ الإسلام في العالم المعاصر ـ القرآن والسنة في التربية الإسلامية ـ شبابنا المثقف أمام الإيمان والتدين ـ ركائز التفكير الإسلامي ـ قانون السببية عند الغزالي ـ الفية الجسر في علم أصول الفقه.
كان الشيخ نديم شجاعاً في قول الحق، يأخذ بيد الأجيال الصاعدة نحو الخير والقيم السامية، ويرشدها الى فهم الظواهر والحقائق العلمية. كان يخاطب الشباب الحائرين ويحاورهم، مدركاً حقيقة مشاعرهم، ليوصلهم الى رسوخ أعمق في الايمان والعلم.
وكان الشيخ يقول: «إن كل إيمان لا يُبنى على العقل لا يُعد كاملاً وكل نص قرآني يحدث تصوره في الظاهر تناقضاً عقلياً في الذهن يجب تأويله حتى يرتفع التناقض»، ويتابع: «ليس في الاسلام إيمان قلبي روحاني يكتفي بالتخيل أو الالهام أو التلقين أو التقليد بدون أن يعتمد على أدلة العقل اذا نضج العقل وبدأ التفكير. أما الإيمان الذي يسمونه إيمان العجائز، فإنه ليس بالإيمان الكامل».
ويؤكد الشيخ نديم الجسر على أهمية العلم والسعي إلى المعرفة ومناداة الاسلام بذلك، وحضه عليه ورفعه من شأن العلماء، ويحدثنا عن التاريخ الاسلامي وأهميته في تغيير مجرى الحياة في شبه الجزيرة العربية.
ويروح في رده على صادق جلال العظم الذي قال بأن العلم الذي نادى به الاسلام هو العلم الشرعي فقط، فيكتب مقالاً في جريدة النهار يقول فيه: «الحث عام يشمل علم الدين والطب وكل علم ينفع الناس، وليس ادل على ذلك من الآية التي يخلع فيها القرآن وصف الخشية الكاملة على علماء الطبيعة ويكاد يحصرها بهم بقوله: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء) ويتابع: «هل العلماء هنا هم علماء الشريعة والفقه، أم علماء الطبيعة العالمون بأسرار النواميس في الحياة والنبات والمطر؟..».
وخاض الشيخ في الفلسفة وسبر أغوارها، فدرسها منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحالي، وحرص في ذلك على مناقشة كبار الفلاسفة في نظرياتهم وآرائهم ويكتب: «ان الفلسفة محاولة العقل ادراك كنه المبادئ الأولى: كنه المادة وأصلها وعلة وجودها، ومعنى الزمان والمكان، وكنه العقل وحقيقته»، ويخلص بأن «الفلسفة كانت وما زالت في وجودها، عبارة عن البحث عن الله».
وكانت للشيخ نديم الجسر جولات في الفكر الوطني والسياسي، كتب كثيراً وخطب مرات في دور الاستعمار، واستبداد الحكم التركي، وفي العروبة وقضية فلسطين. كما فصل في كتبه الاجتماعية والقومية في دور المرأة، وفي حريتها، وفي اصلاح المجتمع في آفاته. إلى منظومات عديدة في الوجدانيات والوطنيات والحكمة، والرثاء.

شاهد أيضاً

مهنا يسلم درعاً الى الوزيرة البلجيكية

مهنا جال ووزيرة بلجيكية في مركز “عامل” في الخيام: لحشد دعم عربي ودولي مع لبنان

مهنا جال ووزيرة بلجيكية في مركز “عامل” في الخيام: لحشد دعم عربي ودولي مع لبنان …