إيران تحاصر الحصار الأميركي..هرمز يختنق!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد معركة هرمز تدور حول قدرة إيران على إغلاق المضيق أو قدرة الولايات المتحدة على فتحه، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً: واشنطن تحاول خنق إيران من البحر، وطهران تحاول جعل هذا الخنق نفسه عبئاً على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى سوق الطاقة العالمي. وبين الحصارين، يتحول المضيق إلى مساحة اشتباك اقتصادي وعسكري وسيادي، فيما تتراجع حركة الملاحة وتصبح كل ناقلة نفط جزءاً من معادلة الردع.
حصار متبادل
الحصار الأميركي يستهدف نقطة القوة الأساسية في الاقتصاد الإيراني: النفط. فخفض الصادرات وتعطيل حركة الناقلات يعنيان تقليص قدرة طهران على تأمين العملات الصعبة وتمويل اقتصادها والالتفاف على العقوبات. لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن الضغط على صادرات إيران يمر عبر أكثر الممرات حساسية في العالم، ما يجعل كل محاولة لخنق النفط الإيراني مرتبطة حكماً بأمن هرمز وحركة الطاقة عبره.
هنا بدأت إيران نقل المعركة إلى مستوى مختلف. فبدلاً من الاكتفاء بمحاولة حماية صادراتها، تعمل على رفع كلفة البيئة البحرية التي يفترض أن ينجح فيها الحصار، بحيث يصبح تأمين السفن ومرافقتها ومراقبة الممرات وإزالة المخاطر جزءاً من فاتورة المواجهة الأميركية.
سلاح الجغرافيا
قوة إيران في هرمز لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية على تهديد السفن، بل في موقعها الجغرافي الذي يجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي حساب أمني للمضيق. فحتى من دون إغلاق كامل، تستطيع طهران التأثير في سرعة الملاحة وانتظامها، ورفع المخاطر أمام شركات الشحن، ودفع الناقلات إلى الانتظار أو تغيير حساباتها، وتحويل المرور الطبيعي إلى عملية تحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية إضافية.
وهذه هي معادلة «الحصار المضاد»: تستطيع واشنطن منع جزء كبير من النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق، لكن إيران تستطيع في المقابل جعل الطريق الذي تمر عبره نسبة ضخمة من طاقة الخليج أكثر كلفة واضطراباً.
هرمز يختنق
انخفاض حركة الملاحة لا يعني بالضرورة أن المضيق أُغلق، لكنه يكشف أن الثقة بحركته الطبيعية تعرضت لضربة كبيرة. فشركات النقل لا تحتاج إلى إعلان حرب كي تغيّر مساراتها؛ يكفي أن ترتفع احتمالات الاستهداف أو الاعتراض أو التأخير والتأمين، حتى يصبح المرور في هرمز قراراً تجارياً محفوفاً بحسابات عسكرية.
وهكذا يتحول الاختناق إلى سلاح بحد ذاته. فالمضيق يمكن أن يبقى مفتوحاً جغرافياً ومشلولاً اقتصادياً في الوقت نفسه، وهذه تحديداً إحدى أخطر أدوات الضغط التي تستطيع إيران استخدامها من دون الذهاب إلى إغلاق شامل قد يستجلب رداً أميركياً واسعاً.
الناقلة هدف
التطور الأخطر هو انتقال المواجهة إلى الناقلات. عندما تصبح السفينة التي تحمل النفط الإيراني هدفاً عسكرياً، يصبح البحر امتداداً مباشراً للعقوبات، وعندما ترد إيران باستهداف أو تهديد سفن تعتبرها جزءاً من منظومة الحصار، يتحول النفط من سلعة تجارية إلى أداة في الصراع.
بهذا المعنى، لم تعد واشنطن تطارد النفط الإيراني فقط، ولم تعد طهران تدافع عن صادراتها فقط؛ الطرفان يتصارعان على البيئة التي يتحرك فيها النفط، وعلى قدرة كل منهما على جعل حركة الناقلات مكلفة للطرف الآخر.
كلفة أميركا
تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي سيجبر طهران على استنزاف احتياطاتها وتغيير حساباتها السياسية والعسكرية. لكن استمرار حماية هرمز يحتاج إلى حضور بحري دائم، وإلى مراقبة وتأمين للممرات، وإلى استعداد للتعامل مع الصواريخ والمسيّرات والألغام والاعتراضات المحتملة.
وكلما طال أمد المواجهة، يصبح السؤال المتعلق بالكلفة أكثر أهمية. فالحصار الأميركي قد يضغط على الاقتصاد الإيراني، لكن حماية الحصار نفسه تحتاج إلى موارد عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة، فيما يتحمل سوق الطاقة العالمي جزءاً من الكلفة عبر اضطراب الإمدادات وارتفاع المخاطر.
معركة الوقت
إيران تراهن هنا على الوقت بقدر رهانها على الجغرافيا. فهي لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري حاسم في هرمز؛ يكفيها أن تمنع عودة المضيق إلى طبيعته بسرعة، وأن تبقي حركة السفن أقل من مستوياتها المعتادة، وأن تجعل شركات الشحن والمشترين والمستثمرين يتعاملون مع المنطقة باعتبارها بيئة عالية المخاطر.
في المقابل، تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيجعل إيران الطرف الأكثر اختناقاً، وأن الاقتصاد الإيراني لن يستطيع تحمل إغلاق فعلي لمسارات التصدير والاستيراد لفترة طويلة.
وهكذا يصبح الزمن نفسه ساحة حرب: من يستطيع تحمل الاختناق لفترة أطول، ومن يدفع الطرف الآخر أولاً إلى تعديل قواعده؟
النفط في الوسط
المفارقة أن هرمز لا يضغط على إيران وحدها. فكلما ازداد اضطراب المضيق، ارتفعت حساسية أسواق النفط والغاز، وتوسعت الحاجة إلى المخزونات والمسارات البديلة والتأمين البحري، بينما تجد الدول الخليجية المنتجة نفسها مضطرة إلى التعامل مع خطر لا تستطيع التحكم الكامل به.
لذلك، فإن إيران حين تستخدم هرمز لا تواجه الولايات المتحدة وحدها، بل تضع شبكة الطاقة العالمية أمام اختبار. وهذه هي نقطة القوة ونقطة الضعف في الوقت نفسه: كلما ارتفعت كلفة المضيق على العالم، ازدادت قوة الورقة الإيرانية، لكن ازداد معها أيضاً الضغط الدولي لمنع طهران من تحويل المضيق إلى أداة دائمة لتعطيل التجارة.
حرب القواعد
المواجهة الحالية تذهب أبعد من النفط. إنها صراع على قاعدة تقول واشنطن من خلالها إن العقوبات تستطيع الوصول إلى السفن والموانئ والممرات، بينما تحاول طهران تثبيت قاعدة مضادة مفادها أن من يحاصرها لا يستطيع ضمان سلامة البيئة البحرية المحيطة بها.
ولهذا يأتي التلويح الإيراني بتقييد حركة السفن واشتراط التنسيق معها كجزء من محاولة نقل المعركة من «هل يمر النفط الإيراني؟» إلى «من يحدد قواعد المرور في هرمز؟».
إذا نجحت واشنطن في فرض حركة بحرية مستقرة رغم التهديدات، تكون قد كسرت جزءاً أساسياً من الورقة الإيرانية. وإذا نجحت طهران في إبقاء المضيق مفتوحاً بالاسم ومختنقاً بالفعل، تكون قد فرضت على الولايات المتحدة خوض معركة مكلفة لحماية نظام ملاحي لم يعد يعمل وفق قواعده السابقة.
الاختناق الأكبر
لهذا، فإن أخطر ما في هرمز اليوم ليس الإغلاق الكامل، بل الاختناق المتدرج. فالإغلاق يعلن بداية أزمة واضحة، أما الاختناق فيسمح باستمرار التجارة بصورة جزئية مع إبقاء المخاطر مرتفعة، ويمنح الطرف الذي يفرضه مساحة واسعة للمناورة والإنكار والتصعيد التدريجي.
إيران تعرف أن إغلاق المضيق بالكامل قد يفتح عليها حرباً واسعة، ولذلك تبدو الورقة الأكثر فعالية في جعل هرمز أقل كفاءة من دون تحويله إلى باب مغلق. وواشنطن تعرف في المقابل أن إعادة المضيق إلى العمل الطبيعي تحتاج أكثر من سفن حربية؛ تحتاج إلى استعادة الثقة التي فقدتها شركات النقل والأسواق.
مفتاح المعركة
من هنا تبدو المعادلة الجديدة أكثر وضوحاً: أميركا تحاول خنق إيران عبر هرمز، وإيران تحاول خنق الحصار عبر هرمز.
الأولى تستخدم القوة البحرية لمنع تدفق النفط الإيراني، والثانية تستخدم الجغرافيا والتهديد البحري لتقليص فعالية هذه القوة ورفع كلفتها. وبينهما يبقى المضيق مفتوحاً بالحد الأدنى، لكنه يختنق اقتصادياً وأمنياً مع كل تصعيد جديد.
ولذلك فإن مستقبل المواجهة لن يتحدد فقط بكمية النفط الإيراني التي ستصل إلى الأسواق، بل بقدرة كل طرف على فرض قواعده على البحر. فإذا أصبح المرور مرهوناً بالخوف والحماية والتنسيق والتهديد، تكون إيران قد نجحت في تحويل الحصار الأميركي من أداة لخنقها إلى ساحة لاستنزاف خصمها.
في هرمز، لم تعد إيران تحاول كسر الحصار فقط.. إنها تحاول حصار الحصار نفسه.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
