السودان: “حرب الجنرالات والـCIA والموساد”!
علي ضاحي خاص takarir.net
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ولا يمكن تفسير مسارها الحالي فقط من خلال السيطرة على الخرطوم أو دارفور أو كردفان. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع القتال، تحولت البلاد إلى ساحة معقدة تتداخل فيها الصراعات على السلطة مع المصالح الاقتصادية وشبكات السلاح والمرتزقة والتدخلات الإقليمية، فيما تتقدم إلى الواجهة تدريجياً طبقة أكثر غموضاً تتعلق بالمعلومات والاستخبارات والمراقبة وإدارة النفوذ.
موقع استراتيجي
ومن هذه الزاوية، يصبح السودان جزءاً من معادلة أكبر بكثير من حدوده، خصوصاً أن موقعه على البحر الأحمر يجعله نقطة تقاطع بين القرن الأفريقي ومصر وليبيا والخليج واليمن، ويضع سواحله وموانئه وطرقه البرية ضمن حسابات القوى التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة والأمن العسكري.
الحضور الأميركي
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحضور الأميركي في المشهد السوداني، حتى وإن لم تظهر الولايات المتحدة كطرف عسكري مباشر في الحرب. فواشنطن تتعامل مع السودان باعتباره ملفاً يرتبط بأمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب ومنع تمدد شبكات السلاح والتهريب والمرتزقة، فضلاً عن مراقبة التحولات في موازين القوى داخل السودان وفي محيطه الأفريقي والعربي. وقد اتخذت الإدارة الأميركية خلال الفترة الأخيرة إجراءات عقابية وضغوطاً سياسية على شبكات مرتبطة بالحرب، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي يهدف إلى وقف تدفق السلاح والمسيّرات إلى أطراف الصراع.
العين الاستخبارية
وفي قلب هذه المعادلة يبرز البعد الاستخباري الأميركي، ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية CIA، حيث تجعل طبيعة المصالح الأميركية في السودان جمع المعلومات ومراقبة تحركات القوى المسلحة وشبكات التمويل والتسليح والنشاط المتطرف والممرات البحرية، جزءاً طبيعياً من أي مقاربة أمنية أميركية للمنطقة، خصوصاً مع انتقال الحرب إلى مرحلة تعتمد بصورة متزايدة على المسيّرات والاستطلاع والاتصالات والتكنولوجيا العسكرية.
البعد الإس.رائيلي
وإذا كانت واشنطن تتحرك من بوابة الأمن الإقليمي والدبلوماسية والعقوبات والمعلومات، فإن البعد الإس.رائيلي يأخذ شكلاً أكثر حساسية بسبب الموقع الجغرافي للسودان وعلاقته المباشرة بأمن البحر الأحمر. فقد كشفت تقارير صحافية حديثة عن اتصالات وزيارات مرتبطة بقيادات في قوات الدعم السريع إلى إس.رائيل، وعن لقاءات مع مسؤولين إس.رائيليين وعناصر استخبارات، مع الإشارة إلى أن بعض قنوات الاتصال الأمني تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب الحالية. وهذه المعطيات، إذا أخذت في سياقها الإقليمي، تعكس اهتماماً إس.رائيلياً بالسودان يتجاوز العلاقات السياسية التقليدية إلى ملف الأمن والمعلومات ومراقبة التحولات في منطقة البحر الأحمر.
حضور “الموساد”
ويعزز ان “الموساد” يدير الحرب السودانية وان إس.رائيل تتحكم مباشرة بقرارات الدعم السريع، وجود قنوات أمنية واستخبارية واتصالات مع أطراف سودانية يكشف أن السودان دخل منذ سنوات ضمن دائرة الاهتمام الإس.رائيلي، سواء بسبب موقعه على البحر الأحمر أو بسبب ارتباطه بشبكات التهريب والهجرة والسلاح والنفوذ الإيراني في الإقليم.
الدور الخليجي
ولا يمكن قراءة المشهد السوداني من دون التوقف عند الخليج، الذي أصبح أحد أكثر الأطراف الخارجية تأثيراً في مسار الحرب. فالإمارات تواجه اتهامات متكررة من جهات أممية وحقوقية وإعلامية بتوفير دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك عبر شبكات إمداد تمتد من الإمارات إلى تشاد وليبيا ومناطق أخرى، بينما تنفي أبوظبي تقديم دعم عسكري للدعم السريع. وقد أشار تحقيق أممي حديث إلى شبكات خارجية مرتبطة بتوفير الأسلحة والمسيّرات والمقاتلين للدعم السريع، فيما خلصت تقارير حقوقية وتحقيقات ميدانية إلى أن الدعم الإماراتي المزعوم يمثل أحد أهم العوامل التي ساعدت على استمرار قدرة القوة شبه العسكرية على خوض الحرب.
ولا يقتصر البعد الإماراتي على السلاح، فالسودان يمثل أيضاً جزءاً من شبكة المصالح الاقتصادية المرتبطة بالذهب والموانئ والتجارة في البحر الأحمر. وقد أصبحت تجارة الذهب السوداني وشبكات تصديره إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما عبر الإمارات، واحدة من أكثر القضايا حساسية في اقتصاد الحرب، إذ تتهم أطراف سودانية شبكات مرتبطة بالإمارات بالمساهمة في تسهيل تجارة الذهب التي توفر موارد مالية لقوى الحرب، بينما تنفي أبوظبي الاتهامات المتعلقة بتورط الدولة المباشر.
الموقف السعودي
في المقابل، تبدو السعودية في موقع مختلف نسبياً. فالرياض تحاول الحفاظ على موقع الوسيط، وشاركت مع الولايات المتحدة والإمارات ومصر في الجهود الرباعية الرامية إلى إنهاء الحرب، فيما ترتبط مصالحها باستقرار البحر الأحمر ومنع انهيار الدولة السودانية وتحول الساحل المقابل لها إلى مساحة مفتوحة للجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
لكن التوازن السعودي ليس منفصلاً عن المنافسة الخليجية. فقد أظهرت الحرب السودانية جزءاً من التباين المتزايد بين الرياض وأبوظبي حول ملفات إقليمية متعددة، وأصبح السودان إحدى الساحات التي تتقاطع فيها رؤيتان مختلفتان للنفوذ والأمن الإقليمي. وتشير تحليلات حديثة إلى أن السعودية والإمارات شاركتا في جهود الوساطة بينما وقفتا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على جانبي الصراع المختلفين.
العمق المصري
أما مصر، فتتعامل مع السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وليس مجرد أزمة في دولة مجاورة. فالحدود المشتركة، وأمن البحر الأحمر، وقضية مياه النيل، ومستقبل الدولة السودانية، كلها تجعل القاهرة أكثر قرباً من الجيش السوداني ومؤسسات الدولة الرسمية.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن مصر قدمت دعماً للجيش السوداني، بما في ذلك مساعدات عسكرية واستشارية، فيما صعّدت القاهرة دعمها بعد توسع سيطرة الدعم السريع في غرب السودان. وهذا الموقف يرتبط إلى حد كبير برفض مصر نشوء قوة عسكرية موازية تسيطر على مساحة واسعة من السودان، وبخشيتها من أن يؤدي تفكك الدولة السودانية إلى تهديد حدودها الجنوبية وإعادة تشكيل معادلات النيل والبحر الأحمر.
أدوار عربية
وتدخل دول عربية أخرى في المشهد بدرجات متفاوتة، سواء من خلال الوساطة السياسية أو العلاقات العسكرية والاقتصادية. كما أن قطر تحاول الاحتفاظ بقنوات اتصال سياسية وإنسانية، بينما ترتبط تركيا بعلاقات عسكرية وسياسية متنامية مع معسكر الجيش، وتظهر إيران بدورها في خلفية المشهد من خلال علاقاتها مع القوات المسلحة السودانية وتقديمها دعماً عسكرياً في مراحل سابقة من الحرب.
وهكذا لا تبدو الخارطة العربية موحدة تجاه السودان، بل تعكس تنافساً بين مقاربات مختلفة؛ بعضها يريد الحفاظ على الدولة المركزية، وبعضها يبحث عن نفوذ اقتصادي وأمني، وبعضها يحاول حماية المصالح البحرية، فيما تتحرك قوى أخرى عبر الوساطة والدبلوماسية.
شبكات الخارج
الأكثر وضوحاً في المشهد الحالي هو أن الحرب أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الخارج. فقد كشفت تقارير أممية وشهادات وتحقيقات دولية عن شبكات عابرة للحدود تؤمن السلاح والتدريب واللوجستيات والمقاتلين لأطراف الصراع، مع ورود أسماء وشبكات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال، إضافة إلى متعاقدين عسكريين أجانب، فيما ظهرت أيضاً أدلة أولية على حصول الجيش السوداني على دعم خارجي في مجال المسيّرات والأسلحة. وبذلك لم يعد التمويل والتسليح الخارجيان مجرد عامل مساعد للحرب، بل تحولا إلى أحد شروط استمرارها.
حرب المسيّرات
وتظهر خطورة هذا التحول بصورة أوضح في حرب المسيّرات التي باتت تضرب عمق المدن والمناطق البعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية. فقد وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من ألف شخص في هجمات بالمسيّرات خلال النصف الأول من عام 2026، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة عاملاً أساسياً في تحديد قدرة الأطراف على الاستطلاع والاستهداف وتعطيل خطوط الإمداد. وهذا النوع من الحرب يحتاج إلى منظومة متكاملة من المعلومات والصور الجوية والاتصالات وتحديد المواقع والتدريب والصيانة، الأمر الذي يجعل الفاصل بين الحرب العسكرية والحرب الاستخبارية أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
جبهة كردفان
وفي الميدان، انتقل مركز الثقل تدريجياً إلى كردفان، بعدما تمكن الجيش من استعادة الخرطوم ومناطق واسعة من الوسط والشرق، بينما حافظ الدعم السريع على نفوذ واسع في دارفور. وأصبحت شمال كردفان، ولا سيما مدينة الأبيض، إحدى أهم نقاط الصراع، لأنها تمثل عقدة جغرافية تربط وسط السودان بغربه، والسيطرة عليها يمكن أن تؤثر في خطوط الإمداد والحركة العسكرية بين مناطق النفوذ المختلفة. ومع اتساع المعارك في كردفان وجنوبها والنيل الأزرق، تتجه الحرب نحو مزيد من التشظي بدلاً من الاقتراب من تسوية نهائية.
اقتصاد الحرب
وهذا التشظي لا ينفصل عن اقتصاد الحرب الذي أصبح أحد أهم أسباب استمرار الصراع. فالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، إلى جانب طرق التجارة والتهريب والمناطق الزراعية والممرات الحدودية، تحولت إلى مصادر تمويل مباشرة وغير مباشرة للقوى المتقاتلة والشبكات المحيطة بها. ومع الوقت، أصبحت الحرب نفسها تنتج مصالح اقتصادية قادرة على تمويل استمرارها، ما يجعل وقف إطلاق النار أكثر صعوبة من مجرد التوصل إلى اتفاق سياسي بين القيادات العسكرية.
الكارثة الإنسانية
وفي خلفية كل ذلك، تتعمق الكارثة الإنسانية، مع ملايين النازحين واتساع انعدام الأمن الغذائي وانهيار قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية. وقد أدى الصراع إلى نزوح نحو 13 مليون شخص، فيما بات السودان واحداً من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، في وقت تتسع فيه المجاعة وتنهار البنية التحتية والخدمات العامة.
دولة متآكلة
السودان، بهذا المعنى، يمر بمرحلة يمكن وصفها بأنها انتقال من حرب على السلطة إلى صراع على شكل الدولة نفسها. فالمعركة لم تعد تتعلق فقط بمن يسيطر على الخرطوم، وإنما بمن يسيطر على الموانئ والموارد والطرق التجارية والمجالات الحدودية وشبكات السلاح والمعلومات. وكلما طال أمد الحرب، أصبح احتمال تكريس مناطق نفوذ شبه مستقلة أكثر خطورة، حتى من دون إعلان رسمي عن تقسيم البلاد.
صراع النفوذ
ومن هنا تأتي حساسية الدور الأميركي والإسرائيلي والخليجي والعربي، إلى جانب أدوار القوى الإقليمية الأخرى. فالسودان يقع في منطقة تتقاطع فيها حسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومصر والخليج واليمن، بينما تمتلك أراضيه موارد ضخمة وموقعاً بحرياً بالغ الأهمية. ولذلك فإن مستقبل السودان لن يتحدد فقط داخل غرف القيادة العسكرية في الخرطوم، بل أيضاً في شبكات العلاقات الخارجية التي توفر السلاح والمال والمعلومات والغطاء السياسي.
حرب خفية
الحرب الظاهرة يخوضها الجنرالات، لكن الحرب الأوسع تدور في طبقات أقل وضوحاً، حيث تتحرك الاستخبارات وشبكات التمويل والسلاح والمرتزقة والمعلومات والتكنولوجيا. وفي هذه المنطقة الرمادية تحديداً يصبح الحديث عن CIA والموساد جزءاً من قراءة أوسع للصراع، لا باعتبار أن الأدلة العلنية تثبت أنهما يديران الحرب، بل باعتبار أن السودان بات ساحة استراتيجية تجعل جمع المعلومات وبناء النفوذ ومراقبة الممرات والتحولات العسكرية مسألة تتجاوز حدود الحرب الأهلية.
مستقبل السودان
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو من ينتصر عسكرياً بين البرهان وحميدتي، بل أي سودان سيخرج من هذه الحرب، ومن سيمتلك مفاتيح دولته وثرواته وموانئه وحدوده وشبكاته الأمنية بعد توقف المدافع. فإذا انتهت المعارك من دون تفكيك اقتصاد الحرب ووقف التدخلات الخارجية وإعادة بناء المؤسسات وإطلاق مسار سياسي مدني، فقد لا تكون نهاية الحرب سوى بداية مرحلة جديدة من الصراع، يكون فيها السودان دولة واحدة على الورق، ومناطق نفوذ متنافسة على الأرض.
وهنا تكمن خطورة المشهد: السودان لا يخوض حرب جنرالين فقط، بل أصبح مسرحاً لصراع متعدد الطبقات على الدولة والجغرافيا والموارد والمعلومات والنفوذ، تتقاطع فيه مصالح واشنطن وتل أبيب والقوى الخليجية والعربية مع صراع داخلي يهدد بتحويل البلاد إلى واحدة من أكثر بؤر عدم الاستقرار خطورة في أفريقيا والبحر الأحمر.
موقع تقارير موقع تقارير


