من الخليج إلى آسيا وأوروبا وأميركا..كيف يتدفق النفط والغاز في العالم ومن أين تمر الطاقة؟
تقرير خاص – takarir.net
لا يصل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية في خط مستقيم. فخلف كل برميل نفط أو شحنة غاز رحلة طويلة تمر عبر موانئ وخطوط أنابيب ومضائق وقنوات بحرية، بعضها يمكن تجاوزه، وبعضها الآخر يشكل عقدة استراتيجية يصعب تعويضها. ولهذا أصبحت جغرافيا الطاقة جزءاً أساسياً من جغرافيا الصراع الدولي.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 76% من إمدادات النفط والسوائل النفطية العالمية كانت تنتقل بحراً في 2023، ما يجعل الممرات البحرية عاملاً حاسماً في أمن الطاقة العالمي.
الخليج.. قلب النفط
تبدأ الخريطة من الخليج العربي، حيث السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران وقطر وغيرها من كبار المنتجين. وتخرج كميات ضخمة من النفط والغاز عبر مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان إلى خليج عمان ثم بحر العرب والمحيط الهندي.
كان هرمز ينقل في 2023 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي. وفي 2026 أدت الاضطرابات إلى انخفاض كبير في التدفقات، ما دفع المنتجين والمشترين إلى البحث عن طرق بديلة.
ومن الخليج تتجه ناقلات النفط شرقاً نحو الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية، أو غرباً عبر البحر الأحمر وقناة السويس باتجاه أوروبا والأسواق الأطلسية.
مضيق ملقا
بعد عبور بحر العرب والمحيط الهندي، تصبح مضيق ملقا إحدى أهم حلقات السلسلة العالمية. يقع المضيق بين ماليزيا وإندونيسيا، ويربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي.
في 2023 عبر المضيق نحو 23.7 مليون برميل يومياً، ما جعله أكبر ممر نفطي بحري من حيث حجم التدفقات في ذلك العام. وهو حيوي خصوصاً للصين واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعتمد على واردات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن هنا يصبح ملقا بالنسبة إلى آسيا أشبه بالامتداد الشرقي لمضيق هرمز: الأول يفتح الطريق أمام النفط الآتي من الغرب، والثاني يخرج النفط من الخليج إلى المحيط الهندي.
باب المندب والبحر الأحمر
أما الطريق المتجه غرباً، فيمر من بحر العرب إلى باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وهنا تظهر أهمية اليمن. فباب المندب يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه تتجه السفن شمالاً نحو قناة السويس. وفي 2023 مر عبره نحو 8.6 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية.
لكن الهجمات على السفن منذ أواخر 2023 دفعت ناقلات كثيرة إلى تجنب البحر الأحمر والاتجاه حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يضيف آلاف الأميال إلى الرحلة ويرفع تكاليف النقل والتأمين.
السويس.. البوابة الأوروبية
بعد باب المندب يأتي الدور المصري. فـقناة السويس وخط سوميد يشكلان معاً طريقاً استراتيجياً لنقل النفط والغاز من الخليج والبحر الأحمر إلى البحر المتوسط.
ويمثل سوميد بديلاً مهماً للناقلات التي لا تستطيع المرور بالقناة بكامل حمولتها، إذ ينقل النفط من ساحل البحر الأحمر إلى ساحل المتوسط في مصر، قبل تحميله مجدداً باتجاه أوروبا.
وقد بلغ تدفق النفط عبر قناة السويس وسوميد نحو 8.8 مليون برميل يومياً في 2023، قبل أن تتأثر حركة البحر الأحمر لاحقاً بالاضطرابات الأمنية.
رأس الرجاء الصالح
عندما يصبح البحر الأحمر غير آمن، يتحول رأس الرجاء الصالح إلى الطريق البديل. لكنه ليس مضيقاً أو قناة، بل مسار بحري طويل يلتف حول جنوب أفريقيا.
وقد ارتفعت تدفقات النفط حول الرأس إلى نحو 9.3 مليون برميل يومياً في 2024، وبقيت عند نحو 9.1 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما وصلت تدفقات الغاز الطبيعي المسال حول الرأس إلى مستويات مرتفعة نتيجة اضطرابات طرق البحر الأحمر.
وهنا يظهر أحد أهم أسرار تجارة الطاقة: إغلاق طريق لا يعني توقف النفط، بل يعني انتقاله إلى طريق أطول وأكثر كلفة.
أوروبا.. شبكة متعددة
تصل الطاقة إلى أوروبا عبر أكثر من طريق. النفط يأتي من الخليج عبر السويس أو رأس الرجاء الصالح، ومن الولايات المتحدة وكندا وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية عبر المحيط الأطلسي.
أما الغاز فأصبح أكثر تعقيداً بعد تراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب. ولذلك ارتفعت أهمية الغاز الطبيعي المسال القادم بالسفن من الولايات المتحدة وقطر ومصادر أخرى.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية إضافة نحو 300 مليار متر مكعب سنوياً من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال عالمياً حتى 2030، خصوصاً من الولايات المتحدة وقطر، ما سيعيد تشكيل خريطة تجارة الغاز العالمية.
روسيا.. الشمال والشرق
روسيا تمثل حالة مختلفة. فجزء كبير من صادراتها النفطية والغازية أعيد توجيهه منذ العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا من أوروبا نحو آسيا.
النفط الروسي يتجه بحراً إلى الهند والصين وغيرها، فيما تلعب خطوط الأنابيب دوراً أساسياً في نقل الغاز والنفط إلى الصين وآسيا.
وهكذا تحولت العقوبات من مجرد أداة مالية إلى عامل يعيد رسم الجغرافيا نفسها، مع انتقال مسارات الطاقة من الغرب إلى الشرق.
أميركا.. لاعب مزدوج
الولايات المتحدة لم تعد مجرد مستهلك ضخم للطاقة. صعود إنتاج النفط والغاز الصخري جعلها لاعباً رئيسياً في سوق النفط والغاز العالميين، كما أصبحت من أكبر مصادر الغاز الطبيعي المسال.
ويمنحها موقعها الجغرافي ميزة إضافية، إذ تستطيع شحن النفط والغاز إلى أوروبا وآسيا عبر المحيطين الأطلسي والهادئ، مع اختلاف المسارات والتكاليف.
لكن قناة بنما تمثل نقطة مهمة خصوصاً لشحنات الغاز بين الساحلين الأميركيين والأسواق الآسيوية. ومع عودة الضغوط المناخية على القناة في 2026، بدأت بعض ناقلات الغاز تتجه مجدداً حول رأس الرجاء الصالح، في رحلة أطول بكثير.
الغاز.. خريطة مختلفة
الغاز الطبيعي يتحرك بطريقتين رئيسيتين: عبر خطوط الأنابيب أو بعد تسييله وتحويله إلى LNG ونقله بالسفن.
الأنابيب تربط المنتج بالمستهلك بشكل مباشر، ولذلك فإن الدول التي تملك شبكات واسعة تستطيع التأثير في الأسواق لفترات طويلة. أما الغاز المسال فيمنح مرونة أكبر، لأن الشحنة يمكن نظرياً تحويلها إلى سوق أخرى بحسب الأسعار والطلب.
وهذا ما جعل الغاز المسال الأميركي والقطري مهماً جداً في إعادة تشكيل السوق الأوروبية والآسيوية.
عقد الطاقة
إذا أردنا اختصار خريطة الطاقة العالمية في عدد محدود من النقاط، فإن أبرز العقد هي: هرمز، ملقا، باب المندب، السويس، سوميد، رأس الرجاء الصالح، بنما، والمضائق التركية والدنماركية.
وتكمن أهمية هذه النقاط في أن الخطر لا يحتاج إلى إغلاقها بالكامل. مجرد ارتفاع المخاطر فيها يؤدي إلى تغيير مسار السفن ورفع كلفة التأمين والشحن، وبالتالي زيادة سعر البرميل أو وحدة الغاز.
ولهذا فإن الحرب أو العقوبات أو القرصنة أو التوترات السياسية في دولة صغيرة قد تؤثر في أسعار الطاقة في قارات بعيدة.
هرمز.. العقدة الأخطر
تبقى المفارقة أن العالم يستطيع الالتفاف على بعض هذه الممرات، لكنه لا يملك دائماً بديلاً سريعاً وواسعاً عن هرمز.
ولهذا فإن أي اضطراب طويل في المضيق لا يعني أزمة إقليمية فقط، بل يعني إعادة توزيع فورية للنفط والغاز والأساطيل والتأمين والمخزونات.
وتظهر بيانات 2026 حجم هذا التأثير بوضوح، إذ انخفضت تدفقات النفط عبر هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال الربع الثاني من العام، بينما ارتفعت أهمية الطرق البديلة حول أفريقيا.
خريطة القوة
في النهاية، لا تتحكم الدول في الطاقة فقط لأنها تنتج النفط والغاز. القوة الحقيقية تتوزع بين المنتج، والميناء، وخط الأنابيب، والمضيق، والأسطول، والمصفاة، ومحطة تسييل الغاز، والسوق المستهلكة.
ولهذا فإن الصراع على الطاقة هو في جوهره صراع على الطرق.
من يسيطر على الإنتاج يملك ورقة، ومن يسيطر على المضائق يملك ورقة، ومن يملك خطوط الأنابيب والموانئ والأساطيل يملك أوراقاً أخرى، أما من يستطيع الجمع بين هذه العناصر فيمتلك قدرة أكبر على التأثير في الاقتصاد العالمي.
ومن هرمز إلى ملقا، ومن باب المندب إلى السويس، ومن رأس الرجاء الصالح إلى بنما، تتشكل الخريطة الحقيقية للطاقة العالمية.
فبرميل النفط لا تحكمه فقط البئر التي خرج منها، بل الطريق الذي يسلكه حتى يصل إلى المصفاة. والغاز لا تحدده فقط الدولة المنتجة، بل الممر الذي يربطها بالسوق.
وهنا تكمن أهمية الجغرافيا الجديدة للطاقة: من يملك الطرق، يملك جزءاً كبيراً من القرار العالمي.
موقع تقارير موقع تقارير

