ايران خلال 47 عاماً: 9 محطات من الثورة والمطالب المعيشية والشغب
علي ضاحي خاص takarir.net
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دخلت البلاد مسارًا سياسيًا واجتماعيًا استثنائيًا لم يعرف الاستقرار الطويل والطبيعي لدولة خرجت من ثورة شعبية عارمة بقيادة الامام الخميني لتدخل في مطبات 9 خطيرة اصعبها الحرب مع صدام وفي ظل حصار مميت على كل الاصعدة صار عمره 47 عاماً.
فالجمهورية الإسلامية لم تولد من تسوية وطنية جامعة، بل من ثورة أطاحت نظامًا ملكيًا ظالماً وتابعاً لاميركا والغرب والخليج. وأقامت نظامًا جديدًا قائمًا على الأيديولوجيا الدينية والسيادة الثورية.
في هذه المرحلة، كانت الاحتجاجات ذات طابع سياسي–أمني مباشر، قادتها قوى يسارية وقومية ومنظمة “مجاهدي خلق”، إضافة إلى اضطرابات في كردستان وبلوشستان وخوزستان. ترافقت هذه الصراعات مع الحرب العراقية–الإيرانية، التي لعبت دورًا مركزيًا في توحيد الجبهة الداخلية وترسيخ منطق الدولة الأمنية–العقائدية، حيث جرى التعامل مع أي اعتراض بوصفه تهديدًا وجوديًا للنظام الوليد.
دولة حرب (1980–1988)
الحرب مع العراق لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكّلت لحظة تأسيس للدولة الجديدة. فقد أسهمت في شرعنة القبضة الأمنية، وتعزيز دور الحرس الثوري و”الباسيج”، وتحويل الثورة إلى مشروع دولة مركزية. خلال هذه السنوات، تراجع أي شكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي أو السياسي المستقل، إذ ذابت التناقضات الداخلية تحت عنوان الدفاع عن الوطن والثورة.
تحول هادئ (1989–1998)
بعد انتهاء الحرب ووفاة الإمام الخميني عام 1989، دخلت إيران مرحلة انتقالية. تحوّل الخطاب من التعبئة الثورية إلى إدارة الدولة وإعادة الإعمار، وبدأت تظهر فجوة بين الجيل المؤسس والجيل الجديد الذي لم يعش الثورة ولا الحرب. هذا التحول لم يُلغِ التوتر، لكنه نقل الاحتجاج من الشارع الأمني إلى المجال السياسي والثقافي، وفتح الباب أمام مطالب إصلاحية من داخل النظام نفسه.
صوت طلاب (1999)
احتجاجات الطلبة عام 1999 شكّلت أول صدام علني بين الدولة والجيل الجامعي. انطلقت على خلفية إغلاق صحيفة إصلاحية، وتركّزت في طهران وبعض المدن الكبرى. لم تطالب هذه الحركة بإسقاط النظام، بل بإصلاحات تتعلق بحرية التعبير والإعلام. تعاملت الدولة معها بحزم محدود، لكن دلالتها كانت عميقة، إذ كشفت بداية التباعد بين السلطة وشرائح شبابية متعلّمة.
اختبار شرعية (2009)
شكّلت الحركة الخضراء عام 2009 أخطر تحدٍّ سياسي واجهه النظام منذ الثورة. ملايين الإيرانيين نزلوا إلى الشوارع اعتراضًا على نتائج الانتخابات الرئاسية، في حركة قادتها شخصيات من داخل النظام نفسه. ورغم اتساعها، بقيت محكومة بسقف سياسي لم يطال جوهر بنية الحكم. نجح النظام في احتوائها بالقوة والتنظيم، لكنه أدرك أن الخطر الحقيقي يأتي من المدن الكبرى والطبقة الوسطى، لا من الأطراف وحدها.
غضب معيشي (2017–2018)
ابتداءً من عام 2017، تغيّر طابع الاحتجاج في إيران. خرجت التظاهرات من عباءة السياسة إلى هموم المعيشة، وانطلقت من المدن الصغيرة والأطراف. البطالة، غلاء الأسعار، والفساد أصبحت العناوين الأساسية، مع مشاركة فئات اجتماعية كانت تُعد سابقًا جزءًا من القاعدة الداعمة للنظام.
انفجار بنزين (2019)
قرار رفع أسعار الوقود فجّر أوسع موجة احتجاج اجتماعي منذ 1979. شملت التظاهرات أكثر من مئة مدينة، ورفعت شعارات مباشرة ضد النظام. واجهت الدولة هذه الاحتجاجات بقوة كبيرة، ما أعاد تثبيت السيطرة، لكنه كشف عن تصدّع عميق في العقد الاجتماعي، وعن حجم الغضب الكامن في الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
“مهسا اميني” (2022)
احتجاجات عام 2022، التي اندلعت على خلفية وفاة مهسا أميني، مثّلت تحوّلًا نوعيًا. لم تكن حركة سياسية منظمة، بل صدامًا ثقافيًا واجتماعيًا بين الدولة وجيل شاب، تقوده النساء، ويطالب بحرية نمط الحياة. قوتها كانت رمزية وإعلامية، لكنها افتقرت إلى القيادة والتنظيم والبرنامج السياسي، ما حدّ من قدرتها على التحول إلى مشروع تغيير شامل.
حراك محدود (2024–2026)
التظاهرات الراهنة تتركز في مناطق محددة مثل لورستان وإيلام، ذات طابع محلي–هوياتي، ومن دون مشاركة المدن الكبرى أو دعم نخبة سياسية بارزة. ورغم حساسيتها الأمنية، تبقى حتى الآن اضطرابات قابلة للاحتواء، فيما يفوق الاهتمام الإعلامي الخارجي وزنها الحقيقي على الأرض.
تماسك وصلابة
رغم كل موجات الاحتجاج المتلاحقة، لم تسقط الجمهورية الإسلامية. يعود ذلك إلى تماسك بنيوي نسبي، وقاعدة اجتماعية لا يُستهان بها، ومعارضة مفككة، ودولة راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات. تاريخ التظاهرات في إيران هو تاريخ أزمة مزمنة لا لحظة انفجار واحدة، فيما يبقى التغيير المحتمل مسارًا بطيئًا وتراكميًا، من داخل بنية الدولة لا عبر صدام خاطف.
تظاهرات مليونية تدعم النظام
وكشفتِ المسيرات والتظاهرات المليونية التي شهدتها المحافظات الإيرانية في الايام الماضية، عن الموقف الحقيقي والصلب للشعب الإيراني الرافض لأعمال الشغب والتخريب التي استهدفت الأرواح والممتلكات العامة والخاصة والأماكن الدينية، “خدمة لأجندة خارجية معادية”. كما أكدت “وقوف الإيرانيين ودعمهم للنظام ومؤسساته في مواجهة أي مسار يستهدف هذا البلد العريق الذي يواجه مؤامرات قوى الاستكبار والطغيان العالمي”.
ملايين الإيرانيين خرجوا الاثنين الماضي إلى الشوارع والساحات العامّة في مختلف المحافظات، للتعبير عن تنديدهم ورفضهم لأعمال الشغب التي شهدتها البلاد خلال الأيام الأخيرة، ولرفض التدخّلات الخارجية في شؤونهم الداخلية.
موقع تقارير موقع تقارير
